في خطوة أثارت عاصفة من الانتقادات الحقوقية والسياسية، كشفت صحيفة “الغارديان” عن قرار وزارة الخارجية البريطانية إغلاق الوحدة المتخصصة في ملاحقة انتهاكات الاحتلال الإسرائيلي للقانون الدولي في غزة ولبنان. هذا القرار، الذي يتستر خلف ذريعة “تخفيضات الميزانية”، يمثل في جوهره طعنة لمصداقية السياسة الخارجية لبريطانيا، ويكشف عن انحياز هيكلي يسعى لتغييب الأدلة الدامغة التي قد تعيق استمرار تدفق السلاح البريطاني إلى تل أبيب.
![]()
تغييب الأدلة: تدمير أكبر قاعدة بيانات لجرائم الحرب
إن إغلاق وحدة القانون الإنساني الدولي لا يعني مجرد تسريح موظفين، بل يعني فعلياً فقدان الوصول إلى قاعدة بيانات ضخمة تضم أكثر من 26,000 حادثة موثقة في الشرق الأوسط منذ السابع من أكتوبر 2023. هذه القاعدة كانت الأداة الأهم لدى الدبلوماسيين والمسؤولين البريطانيين لتحديد مدى التزام الاحتلال بمبادئ “التناسب” و”التمييز” بين المدنيين والعسكريين.
التحليل السياسي لهذا الإجراء يشير إلى رغبة واضحة في “التعمية المنهجية”؛ فحين تُغلق الوحدة التي تجمع وتتحقق من حوادث حقوق الإنسان مفتوحة المصدر، يصبح من السهل على الوزراء والمسؤولين الادعاء بعدم وجود “أدلة كافية” لاتخاذ قرارات قانونية بوقف تصدير الأسلحة. إنها عملية تجريف للمعلومات تهدف إلى حماية صانع القرار البريطاني من الملاحقة الأخلاقية والقانونية.
ازدواجية الخطاب: كوبر بين شعارات القانون وواقع الصفقات
يأتي هذا القرار في وقت تتحدث فيه وزيرة الخارجية، إيفيت كوبر، عن جعل احترام القانون الدولي ركيزة أساسية لوزارتها. غير أن الواقع العملي يثبت عكس ذلك تماماً؛ فبينما تصف كوبر سيادة القانون بأنها “قيمة بريطانية أساسية”، تقوم وزارتها بإنهاء تمويل مشروع رصد النزاعات والأمن، وهو المشروع الوحيد في المملكة المتحدة الذي يوثق فظائع الاحتلال بشكل مستقل.
هذا التناقض الصارخ يعزز الانطباع بأن الحكومة البريطانية، تحت قيادة كير ستارمر، تمارس نوعاً من “النفاق الدبلوماسي”. فهي من جهة تدعي الالتزام بالمعايير الدولية، ومن جهة أخرى تفكك الأدوات الرقابية التي قد تدين حلفاءها. وبحسب “حملة مناهضة تجارة الأسلحة”، فإن توقيت هذا الإغلاق “مثير للريبة”، ويهدف إلى ضمان استمرار مبيعات الأسلحة للاحتلال مهما كان الثمن الإنساني.
تداعيات استراتيجية: حصانة للاحتلال واستنزاف للعدالة
إغلاق هذه الوحدة يمتد تأثيره إلى أبعد من غزة ولبنان، ليصل إلى السودان ومناطق نزاع أخرى، حيث تم تقليص تمويل فريق منع الفظائع أيضاً. لكن التركيز على الملف الإسرائيلي يظل الأكثر حساسية، نظراً لارتباطه المباشر بتراخيص الأسلحة البريطانية. إن حرمان السفارات البريطانية في تل أبيب وبيروت من التقييمات السريعة للحوادث الكبرى يعني ترك الدبلوماسية البريطانية رهينة للرواية الرسمية للاحتلال فقط.
وصف منظمة “هيومان رايتس ووتش” للقرار بأنه “أمر مشين” يلخص خطورة الموقف. فبريطانيا، عبر هذا الإجراء، لا تتخلى فقط عن دورها كقوة تدعم الاستقرار، بل تتحول إلى شريك سلبي في التغطية على الجرائم. إن تفضيل المصالح الاقتصادية المرتبطة بقطاع الدفاع على الالتزامات القانونية بموجب معاهدة تجارة الأسلحة واتفاقية منع الإبادة الجماعية، يضع المملكة المتحدة في زاوية الانحياز الكامل، بعيداً عن أي ادعاء بالحياد أو النزاهة الدولية.
خاتمة: القانون الدولي كضحية للموازنات المسيسة
في نهاية المطاف، يكشف إغلاق وحدة ملاحقة انتهاكات الاحتلال أن “القيم البريطانية” التي تتغنى بها الوزيرة كوبر تتوقف عند حدود المصالح مع إسرائيل. إن التذرع بخفض الميزانية إلى 0.3% من الدخل القومي ليس إلا غطاءً سياسياً لقرار أيديولوجي يهدف إلى رفع الرقابة عن انتهاكات الاحتلال. وبرحيل هذه الوحدة، تخسر الحقيقة مدافعاً مهماً داخل أروقة القرار البريطاني، وتكسب آلة الحرب الصهيونية غطاءً جديداً يضمن لها الإفلات من المحاسبة، بتواطؤ مالي وإداري من لندن.
اقرأ أيضًا : إيران استخدمت قمر صناعي صيني لضرب قواعد أمريكية.. ما دلالة ذلك؟