كشف الجزء الأول من هذه السلسلة كيف جمع طحنون بن زايد بين منصبه مستشاراً للأمن الوطني وإشرافه على إمبراطورية اقتصادية تقدر بنحو 1.5 تريليون دولار، وكيف أصبح الفصل بين ثروته الشخصية وأموال أسرة آل نهيان والأصول السيادية للدولة بالغ الصعوبة. لكن المال لم يكن سوى أحد جناحي قوته، لأن الجناح الآخر تشكل داخل جهاز أمني توسع من مكافحة التهديدات المسلحة إلى تعقب أصحاب العرائض والباحثين والصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان.

يرصد تحقيق «الغارديان»، بالاستناد إلى تحقيقات «رويترز» وتقارير منظمات حقوقية وشهادات الضحايا، كيف استوردت أبوظبي خبرات أمنية أمريكية وإسرائيلية، ثم سخرتها لبناء منظومة مراقبة إلكترونية عابرة للحدود. ولا يدور الحديث هنا عن عمل استخباراتي تقليدي يجمع المعلومات عن جيوش ودول معادية، بل عن عمليات تجسس واختراق استهدفت هواتف وحسابات وحياة أشخاص بسبب آرائهم أو عملهم الحقوقي أو علاقتهم بخصوم الأسرة الحاكمة.

 

الخوف الذي حوّل المجتمع إلى هدف أمني

ساعدت هجمات 11 سبتمبر 2001، التي شارك فيها إماراتيان، على ترسيخ هاجس أمني لدى قيادة أبوظبي تجاه التيارات الإسلامية. كما منحت «الحرب على الإرهاب» أسرة آل نهيان فرصة لتقديم نفسها إلى واشنطن باعتبارها حليفاً مستقراً وقادراً على العمل داخل منطقة مضطربة.

كانت الإمارات تعاني نقطة ضعف بنيوية واضحة، إذ لا يتجاوز عدد مواطنيها الأصليين نحو 1.4 مليون نسمة، أي قرابة 11 في المئة من إجمالي السكان. جعل ذلك بناء جيش ضخم أو جهاز أمني يعتمد كلياً على المواطنين أمراً صعباً، فاستعانت الدولة بالأجانب في الاقتصاد والقوات المسلحة والخبرات الاستخباراتية والتكنولوجية.

تزامن هذا الاحتياج مع رؤية تعتبر المعارضة السياسية تهديداً للنظام لا ممارسة مدنية مشروعة. واستعاد الباحث البريطاني كريستوفر ديفيدسون حديثاً أجراه قبل نحو عشرين عاماً مع أحد «بني فاطمة»، قال فيه المسؤول إن الآخرين سيحاولون دائماً تدمير ما بنته الإمارات، وذكر إيران واليمن والإخوان المسلمين وتنظيم القاعدة باعتبارهم موجات متتالية من الخطر.

بعد الانتفاضات العربية عام 2011، اتسعت قائمة الأخطار لتشمل المطالبين بالإصلاح والديمقراطية. وعندما وقع قضاة ومحامون وأكاديميون وإعلاميون إماراتيون عريضة تطالب بانتخاب المجلس الوطني ومنحه سلطات تشريعية حقيقية، ردت السلطات باعتقالات ومحاكمات واسعة، ولا يزال بعض أصحاب تلك المطالب خلف القضبان.

تقول ميرة الحسين إن جهاز الأمن الداخلي أعاد ترتيب أولوياته حتى أصبحت حماية النظام تتقدم على حماية المجتمع. وقد وصل خوف القيادة من الاحتجاجات إلى التشكيك في استعداد الجنود الإماراتيين لإطلاق النار على مواطنين مسلمين، فاستقدمت قوة شبه عسكرية قوامها نحو 800 عنصر من كولومبيا وجنوب أفريقيا لتعزيز قدرة الحكم على مواجهة اضطرابات داخلية محتملة.

 

ريتشارد كلارك وولادة «مشروع ريفن»

في أواخر العقد الأول من القرن الحالي، عقدت الإمارات اتفاقاً أمنياً مهماً مع ريتشارد كلارك، المنسق الأمريكي السابق لمكافحة الإرهاب والمستشار الذي لعب دوراً بارزاً في دعم برامج مراقبة واسعة داخل الولايات المتحدة وخارجها. انتقل كلارك إلى أبوظبي وساهم في إنشاء وحدة إلكترونية سرية حملت الاسم الرمزي «مشروع ريفن».

قُدم المشروع في بدايته باعتباره أداة لمحاربة الإرهاب وتعقب التنظيمات المسلحة، واستعان بموظفين سابقين في وكالة الأمن القومي الأمريكية ومتعاقدين أمنيين ومسؤولين خدموا في البيت الأبيض. عمل عدد من هؤلاء من منشأة عُرفت باسم «الفيلا»، واستخدموا خبراتهم التي اكتسبوها داخل مؤسسات الولايات المتحدة لاختراق أجهزة ووسائل اتصال لصالح الحكومة الإماراتية.

دافع كلارك لاحقاً عن مساهمته بالقول إن الحافز كان دعم مكافحة الإرهاب، وإن الإمارات حليف جيد في هذا المجال. لكن تحقيقات «رويترز» أظهرت أن المشروع تجاوز ملاحقة الجماعات المسلحة، وبدأ يستهدف معارضين إماراتيين ونشطاء حقوقيين وصحفيين ومسؤولين أجانب ومواطنين أمريكيين.

أدارت شركة «سايبر بوينت» الأمريكية المشروع في مرحلته الأولى بموافقة حكومية أمريكية، ثم انتقلت السيطرة عليه عام 2015 إلى شركة إماراتية مرتبطة بالدولة تحمل اسم «دارك ماتر». أدى هذا الانتقال إلى إزالة بعض القيود التي كانت تحكم عمل المتعاقدين الأمريكيين، واتسعت العمليات لتشمل أهدافاً لا علاقة لها بتهديد إرهابي مباشر.

كان من بين المستهدفين الصحفي البريطاني روري دوناغي، والناشطة اليمنية الحاصلة على نوبل للسلام توكل كرمان، والمدافع الإماراتي عن حقوق الإنسان أحمد منصور. وبعد تولي طحنون منصب مستشار الأمن الوطني عام 2016، أصبحت هذه البنية جزءاً من المجال الذي يشرف عليه أعلى مسؤول أمني في الدولة.

 

من مكافحة الإرهاب إلى حماية الأسرة الحاكمة

لم تكن المراقبة الرقمية منفصلة عن القمع السياسي التقليدي. فقد وثقت منظمات حقوقية منذ 2011 الاعتقال التعسفي والاختفاء القسري والمحاكمات غير العادلة والتعذيب وإبقاء سجناء خلف القضبان بعد انتهاء أحكامهم. كما استُخدمت معاقبة الأقارب وسحب الجنسيات والحرمان من العمل والسفر لإسكات معارضين يعيشون في الخارج.

قالت جوي شيا، الباحثة البارزة في شؤون الخليج لدى «هيومن رايتس ووتش»، إن ما تعرض له الأكاديمي البريطاني ماثيو هيدجز ليس واقعة استثنائية، وإن الانتهاكات التي يواجهها المجتمع المدني الإماراتي أكثر قسوة واتساعاً. وتؤكد تقارير المنظمة أن السلطات أغلقت المجال العام واعتقلت عشرات المحامين والقضاة والمدرسين والأكاديميين والنشطاء بسبب التعبير السلمي.

يدافع مؤيدو النظام عن هذه السياسات باعتبارها ضرورية لحماية دولة صغيرة تحيط بها التهديدات. ويرفض أستاذ العلوم السياسية الإماراتي عبد الخالق عبد الله إخضاع بلاده لمعايير حقوقية يصفها بأنها غربية، قائلاً إن للإمارات معاييرها الخاصة. لكن هذا الدفاع يتجاهل أن الضحايا لم يكونوا في معظمهم قادة مجموعات مسلحة، بل أصحاب مطالب إصلاحية أو باحثين وصحفيين مارسوا أنشطة مشروعة.

 

ماثيو هيدجز: بحث جامعي انتهى بحكم مؤبد

وصل ماثيو هيدجز، طالب الدكتوراه البريطاني في جامعة درم، إلى الإمارات في أبريل 2018 لإجراء أبحاث حول استراتيجية الأمن الوطني الإماراتية. كان موضوعه يلامس المجال الذي يديره طحنون، لكنه دخل البلاد باعتباره باحثاً أكاديمياً، وأجرى مقابلات خلال زيارة استمرت أسبوعين.

شعر هيدجز في نهاية الرحلة بأنه مراقب. وعندما وصل إلى مطار دبي في طريق العودة، قال إنه وجد مجموعة من الرجال الملثمين المسلحين ينتظرونه عند الجوازات. اقتيد معصوب العينين ومقيد اليدين، واتهمته السلطات بالعمل لمصلحة الاستخبارات البريطانية.

احتُجز هيدجز بمعزل عن العالم الخارجي في البداية، ثم قضى معظم فترة احتجازه السابق للمحاكمة داخل الحبس الانفرادي في موقع غير معلن بأبوظبي. وقال إن جلسات استجوابه كانت تمتد إلى 15 ساعة يومياً، وإنه أُجبر على تناول أدوية، وتلقى تهديدات بنقله إلى قاعدة عسكرية خارج البلاد وإيذاء أفراد أسرته.

روى أنه رأى بقع دماء على السجاد وآثار أقدام دامية على الجدار أعلى من مستوى رأسه، واستنتج أن شخصاً رُفع مقلوباً في غرفة الاستجواب. وبعد سبعة أشهر من الاحتجاز وسوء المعاملة، حاول إنهاء حياته. وعندما سألته «الغارديان» عمن يعتقد أنه يتحمل المسؤولية النهائية، تتبع تسلسل القيادات الأمنية قبل أن يقول إن السلسلة تصل في النهاية إلى طحنون.

هذه إفادة هيدجز وليست حكماً قضائياً ضد طحنون، وقد نفت الحكومة الإماراتية تعذيبه أو تهديده، وقالت إنه تلقى رعاية مناسبة. لكن الوقائع القضائية الثابتة تبقى قاسية: استند الادعاء جزئياً إلى اعتراف يقول هيدجز إنه انتُزع منه بالإكراه، ثم صدر بحقه حكم بالسجن المؤبد في نوفمبر 2018 بعد جلسة استمرت خمس دقائق ولم يحضرها محام للدفاع عنه.

لم يخرج هيدجز لأن النظام راجع عدالة القضية، بل بعدما تحولت إلى أزمة دبلوماسية مع بريطانيا، فصدر عفو رئاسي عنه بعد خمسة أيام من الحكم. وبعد عودته، نشرت السلطات ملفاً من 19 صفحة يتضمن معلومات شخصية وتقريراً نفسياً عنه في حملة هدفت إلى تشويه صورته بدلاً من التحقيق في روايته عن الاحتجاز.

 

أحمد منصور: ملايين لمراقبة مهندس وشاعر

إذا كان هيدجز قد نجا بفضل جواز سفره والضغط البريطاني، فإن الناشط الإماراتي أحمد منصور لم يمتلك الحماية نفسها. منصور مهندس كهربائي وشاعر وأب لأربعة أبناء، وأحد أبرز المدافعين عن حقوق الإنسان في الإمارات. وقع عام 2011 العريضة التي طالبت بمجلس منتخب، وأدار موقعاً ينشر أحياناً انتقادات لسياسات آل نهيان.

اعتُقل مع آخرين في أبريل 2011 بسبب نشاطه السلمي، ثم أُفرج عنه بعفو رئاسي، لكن أجهزة الأمن لم تتوقف عن تعقبه. تعرض للاعتداء الجسدي والتهديد وحظر السفر، وأنفقت جهات مرتبطة بالدولة ملايين الدولارات لمحاولة اختراق هواتفه وأجهزة زوجته.

أظهرت التحقيقات أن بياناته نُقلت بعد فتح مرفق إلكتروني خبيث إلى خادم مسجل على صندوق بريد رقم 5151 في أبوظبي، وهو العنوان البريدي لمكتب طحنون الشخصي. واكتشف منصور أيضاً أن جهاز مراقبة طفله اختُرق وتحول إلى كاميرا وميكروفون ينقلان تفاصيل حياة أسرته داخل المنزل.

لم يكن الهدف جمع معلومات عن عملية مسلحة، بل اقتحام الحياة الخاصة لناشط سلمي ومراقبة زوجته وأطفاله. وقد أصبح منصور من أوائل الأشخاص الذين ساعدت محاولات اختراقهم خبراء الأمن الرقمي في كشف أدوات تجسس متطورة، ومنها تقنيات استهدفت هواتف «آيفون» من دون علم المستخدم.

في مارس 2017، اقتحمت قوات الأمن منزل منصور قبيل منتصف الليل واعتقلته. ظل مكانه مجهولاً لأكثر من عام، وحُرم من الوصول المنتظم إلى محام ومن التواصل الطبيعي مع أسرته. وفي مايو 2018، حكمت عليه دائرة أمن الدولة بالسجن عشر سنوات بسبب منشورات وانتقادات سلمية قالت السلطات إنها أضرت بهيبة الدولة ورموزها.

لا يزال منصور محتجزاً في سجن الصدر شديد الحراسة، على بعد نحو عشرة أميال من موقع مجمع الذكاء الاصطناعي العملاق المرتبط بـ«G42». وتقول «هيومن رايتس ووتش» إنه عاش سنوات في عزلة شبه كاملة داخل زنزانة تفتقر إلى السرير والفراش، وحُرم من الرعاية الطبية والنظارات والكتب والاتصال المنتظم بأسرته. وبعد تسريب رسالة تحدث فيها عن ظروف سجنه، نُقل إلى زنزانة أصغر وأكثر عزلة.

 

بيغاسوس واتساع المطاردة خارج الحدود

منح تطبيع العلاقات بين الإمارات وإسرائيل عام 2020 أبوظبي وصولاً أوسع إلى تكنولوجيا أمنية متقدمة، وفي مقدمتها برنامج «بيغاسوس» الذي طورته مجموعة «إن إس أو» الإسرائيلية. يستطيع البرنامج اختراق الهواتف وتحويلها إلى أجهزة مراقبة دائمة، والوصول إلى الرسائل والصور والميكروفون والكاميرا والموقع الجغرافي.

كان من بين الأهداف المحامية البريطانية فيونا شاكلتون، التي مثلت الأميرة هيا بنت الحسين في نزاعها مع حاكم دبي، وسبق أن مثّلت الأمير تشارلز وبول مكارتني. كما ظهرت مؤشرات على استهداف هاتف مرتبط بمكتب رئيس الوزراء البريطاني الأسبق بوريس جونسون.

تكشف هذه الحالات أن معيار الاستهداف لم يكن الانتماء إلى تنظيم مسلح، بل مجرد الاقتراب من نزاع يهدد مصالح حكام الإمارات أو حلفائهم. وهنا يتحول الأمن الوطني من وظيفة لحماية البلاد إلى أداة شخصية تحرس سلطة الأسرة وتلاحق خصومها أينما كانوا.

في عام 2019، كشفت تحقيقات «رويترز» و«سيتيزن لاب» جانباً كبيراً من عمليات «مشروع ريفن»، وبدأت إجراءات قانونية في الولايات المتحدة ضد متعاقدين أمريكيين شاركوا فيها. وخلال العام التالي، حُلّت «دارك ماتر» رسمياً وفُككت بعض وحداتها، لكن الكوادر والخبرات لم تختفِ.

كان طحنون يستعد لنقلها إلى مشروع أكبر وأكثر قدرة على جمع البيانات والتأثير فيها. ففي الجزء الثالث، نكشف كيف ظهرت شركة «G42» من البيئة نفسها، وكيف انتقل مسؤولون من «دارك ماتر» إلى قيادتها، وكيف تحول تطبيق «تو توك» من خدمة مراسلة واسعة الانتشار إلى أداة مراقبة، ثم كيف فتحت مايكروسوفت و«أوبن إيه آي» وشركات وادي السيليكون أبوابها أمام الشركة التي خرجت من قلب جهاز الأمن الإماراتي.