في جريمة حقوقية وإنسانية صارخة تُعرّي الوجه السادي لمنظومة السجون الصهيونية، واجه الأسير الفلسطيني المحرر، سفيان أبو صلاح، رحلة اعتقال قاسية في زنازين الاحتلال دامت 52 يوماً، انتهت ببتر ساقه اليسرى بالكامل نتيجة حرمان متعمد من المضادات الحيوية والرعاية الطبية الأساسية، ليتحول من معيل لبيته إلى ضحية جديدة لسياسة “التشويه الجسدي” الممنهجة ضد أبناء قطاع غزة. ونقلت المصادر الحقوقية والطبية أن أبو صلاح (وهو أب لأربعة أطفال وكان يعمل سائق سيارة أجرة قبل حرب الإبادة الجماعية) اعتُقل في 14 فبراير/شباط 2024 من مدرسة “هارون الرشيد” لإيواء النازحين غرب خان يونس، حيث تعرّض منذ اللحظات الأولى للتنكيل، الضرب المبرح، والتجريد من الملابس، ما تسبب في إصابته بجرح صغير في ساقه اليسرى أخذ يتفاقم في ظل غياب أدنى مقومات الرعاية الصحية.
عسكرة الألم وشرعنة التصفية الصامتة للأطراف وتكتسب شهادة الأسير المحرر خطورة بالغة كونها تفضح استخدام الاحتلال للإهمال الطبي كأداة تعذيب وانتقام مبرمجة، وليس مجرد تقصير إداري؛ حيث أكد أبو صلاح أنه استجدى سلطات الاحتلال مراراً للحصول على الدواء، إلا أن ممرضة إسرائيلية اكتفت بالتقاط صور يومية لساقه لمدة 9 أيام دون تقديم أي علاج، مما أدى لانتشار الالتهاب الحاد من القدم حتى الركبة. وجاء البتر القسري في مستشفى “شيبا” في تل هشومير تحت ظروف تفتقر لأبسط الحقوق الإنسانية؛ إذ أُجبر الأسير على التوقيع ومواجهة أصعب قرار في حياته وحيداً وهو مقيد اليدين ومعصوب العينين، ليُعاد فوراً عقب العملية الجراحية إلى مركز الاحتجاز والتجويع المشدد، حيث فقد 25 كيلوغراماً من وزنه نتيجة شح الغذاء، واصفاً الأيام التي قضاها بأنها “52 عاماً لا 52 يوماً”، ومؤكداً توثيقه لاستشهاد أسير آخر جراء اعتداء جنود الاحتلال عليه بدم بارد.
مأساة خيام النزوح وغياب العدالة الدولية وتكمن الأبعاد المأساوية والحقوقية لهذه الجريمة المستمرة في عدة محاور رئيسة:
-
تدمير القدرة على العيش: تحوّل الأسير من شخص منتج يعول أسرته، إلى عاجز يفترش مع أطفاله الأرض داخل خيمة متهالكة بمنطقة الفخاري شرقي خان يونس بعد فقدان ساقه ومصدر رزقه.
-
سياسة التشويه المتعمد: تبرهن الجريمة أن الاحتلال يستهدف إحداث عاهات مستديمة وإعاقات دائمة في أجساد الأسرى الغزيين عبر مصادرة الأدوية البسيطة؛ إذ أكد أبو صلاح أن “حبة مضاد حيوي واحدة كانت كفيلة بإنقاذ رجلي”.
-
عجز المنظومة الدولية: تكشف المناشدات المستمرة لعلاج الأسير وتركيب طرف صناعي له عن عمق الفجوة والصمت الدولي المريب تجاه ممارسات التعذيب والتجويع والتنكيل الموثقة بحق آلاف المعتقلين الفلسطينيين.
ويأتي هذا النموذج القاسي ليعيد تسليط الضوء على المقابر البشرية والمسالخ التي تديرها مصلحة السجون الإسرائيلية بحق الأسرى والمختطفين من قطاع غزة، متجاوزة كل المواثيق الدولية واتفاقيات جنيف، لتبقى هذه الشهادات وثيقة إدانة تاريخية تلاحق قادة وجنود الاحتلال كمجرمي حرب يمارسون الإبادة الجماعية بأبشع أدواتها اللوجستية والجسدية.