تحولت منصة جوائز “بافتا” (BAFTA) التلفزيونية البريطانية إلى ساحة لمحاكمة أخلاقية ومهنية لشبكة “بي بي سي”، بعد فوز الفيلم الوثائقي “غزة: أطباء تحت الهجوم” بجائزة أفضل برنامج للشؤون الجارية. هذا الفوز لم يكن مجرد تكريم فني، بل كان صرخة مدوية في وجه “بي بي سي” التي تورطت في محاربة الفيلم ومنع عرضه، في خطوة كشفت بوضوح عن انحياز المؤسسة العريقة لبرواية الاحتلال الإسرائيلي وممارستها لرقابة ذاتية مشددة ضد كل ما يفضح جرائم استهداف القطاع الصحي في غزة.

خطاب النصر: “رفضنا الصمت أمام مقص الرقيب”

في لحظة درامية أمام صناع السينما والإعلام، شنت راميتا نافاي، مقدمة الفيلم الوثائقي، هجوماً لاذعاً على “بي بي سي” خلال خطاب قبول الجائزة. وأكدت نافاي أن الشبكة البريطانية هي التي دفعت ثمن الفيلم في البداية، لكنها تراجعت في اللحظات الأخيرة ورفضت عرضه خوفاً من المحتوى الذي يوثق بشاعة الهجوم على الكوادر الطبية. وقالت نافاي بلهجة حادة: “لقد رفضنا أن نصمت ونخضع للرقابة التي حاولت البي بي سي فرضها علينا”.

من جانبه، لم يخفِ المنتج التنفيذي للفيلم، بن دي بير، غضبه وسخريته من موقف الشبكة، موجهاً سؤاله مباشرة لمسؤولي “بي بي سي”: “بما أنكم أسقطتم الفيلم ومنعتموه من العرض، هل ستسقطونا أيضاً من جوائز بافتا بعد أن أنصفنا الجمهور والمنقاد؟”. هذا التحدي العلني وضع الشبكة في موقف محرج للغاية، حيث أظهر أن معايير الجودة التي تتبناها كبرى لجان التحكيم البريطانية تختلف تماماً عن “معايير الحياد” المسيسة التي تذرعت بها الشبكة لإخفاء الحقيقة.

فزاعة “الحياد”: كيف تتهرب بي بي سي من كشف الحقيقة؟

تعود جذور الأزمة إلى يونيو الماضي، عندما قررت هيئة الإذاعة البريطانية بشكل مفاجئ إيقاف عرض الوثائقي رغم أنها هي من كلف بإنتاجه. وتذرعت الشبكة حينها بمخاوف تتعلق بـ “الحياد”، وهي الكلمة التي باتت تستخدمها المؤسسة كغطاء لتمرير الرواية الإسرائيلية أو حجب القصص التي تظهر حجم المعاناة الإنسانية في غزة.

ديبورا تورنيس، رئيسة الأخبار في “بي بي سي”، حاولت تبرير هذا التواطؤ بالادعاء أن لغة الصحفيين المشاركين ونشاطهم على وسائل التواصل الاجتماعي “لا يتوافق مع معاييرنا”. إلا أن مراقبين اعتبروا هذه المبررات “شماعة” واهية للتغطية على ضغوط سياسية مورست على الشبكة لمنع توثيق جرائم الحرب ضد الأطباء، وهي الفضيحة التي تداركتها “القناة الرابعة” البريطانية بتبنيها للفيلم وعرضه فوراً، ليحصد لاحقاً أرفع الجوائز التلفزيونية.

بيان “الهروب للأمام” وانكشاف الدور المضلل

في محاولة لامتصاص الغضب، كانت الشبكة قد أصدرت بياناً زعمت فيه أنها وصلت إلى “نهاية الطريق” في مناقشاتها مع صناع الفيلم، مدعية أن بث المواد قد يخلق انطباعاً بـ “التحيز”. هذا التناقض بين اعتراف الشبكة بأهمية قصص الأطباء وبين منعها من الوصول للجمهور، يكرس القناعة بأن “بي بي سي” باتت تلعب دوراً مكملاً للبروباغندا التي تخدم الاحتلال عبر سياسة “التجهيل” وتغييب الحقائق الميدانية.

جائزة “بافتا” لفيلم “غزة: أطباء تحت الهجوم” لم تكن مجرد انتصار لصناع الأفلام، بل كانت شهادة وفاة مهنية لمصداقية “بي بي سي” في تغطية الملف الفلسطيني. فقد أثبت الواقع أن “الحياد” لدى الشبكة هو مجرد كلمة مطاطة تستخدم لحماية المعتدي وتكميم أفواه الضحايا، بينما تظل الحقيقة قوية بما يكفي لتجد طريقها إلى المنصات العالمية رغم محاولات الحجب والرقابة.

اقرأ أيضًا : بتمويل إماراتي وغطاء سياسي للمجرمين.. انتهاكات صارخة واستهدافات بحق الصحفيين