لم تكن مساءات قلقيلية مختلفة كثيرًا عن سائر مدن الضفة الغربية التي تعيش تحت وطأة الحواجز العسكرية وجدار الفصل العنصري، غير أن رصاصة الاحتلال هذه المرة حملت اسمًا جديدًا إلى سجل الشهداء. استشهد الشاب محمد كمال شريم (18 عامًا) بعدما أطلقت قوات الاحتلال الإسرائيلي النار عليه قرب المدخل الشمالي للمدينة، بمحاذاة الجدار الذي يبتلع الأرض ويقطع الأوصال.

بحسب وكالة الأنباء الفلسطينية، أصيب شريم برصاصة في الصدر أثناء وجوده قرب الجدار، ونُقل إلى مستشفى درويش نزال الحكومي في قلقيلية، حيث أعلن الأطباء استشهاده متأثرًا بإصابته. لم يكن في يده سلاح، ولم تعلن قوات الاحتلال عن أي اشتباك مسلح، لكن الرصاص انطلق كعادته، بلا مساءلة وبلا خوف من حساب.

حادثة استشهاد شريم ليست حدثًا منفصلًا، بل حلقة جديدة في مسلسل دموي يتصاعد منذ اندلاع حرب الإبادة على قطاع غزة في تشرين الأول/ أكتوبر 2023. ففي الضفة الغربية، باتت سياسة إطلاق النار المباشر على الفلسطينيين نهجًا مكرسًا، يُنفذ بغطاء سياسي كامل من حكومة الاحتلال، ويجري تمريره دوليًا تحت عناوين “الأمن” و”مكافحة الإرهاب”.

هتافات الغضب.. الضيف والسنوار في وداع الشهيد

في جنازة الشهيد، تحولت شوارع قلقيلية إلى ساحة غضب ووفاء. علت الهتافات لفصائل المقاومة وقادتها، وترددت أسماء محمد الضيف ويحيى السنوار في مشهد يعكس حجم التحول الشعبي في الضفة الغربية. لم تكن الهتافات مجرد تعبير عاطفي، بل رسالة سياسية واضحة: الشارع الفلسطيني يرى في المقاومة خيارًا، في مقابل سلطة تبدو عاجزة أو متواطئة.

هذا المشهد ليس معزولًا عن سياق أوسع. فكلما ارتفع منسوب القتل الإسرائيلي، ارتفعت بالمقابل شعبية خطاب المقاومة. وبينما يتساقط الشهداء، تتآكل ثقة الفلسطينيين في المسار السياسي الذي تمثله السلطة الفلسطينية، خاصة في ظل استمرار التنسيق الأمني مع الاحتلال.

اقتحامات واعتقالات.. الضفة ساحة مفتوحة للبطش

تزامن استشهاد شريم مع سلسلة اقتحامات واسعة في مناطق متفرقة من الضفة. اقتحمت قوات الاحتلال قرية المغير شمال شرق رام الله، وأطلقت قنابل الصوت والغاز السام بكثافة تجاه المنازل، ما أدى إلى إصابات بالاختناق. كما داهمت مخيم قلنديا شمال شرق القدس، وانتشرت في شوارعه، لتندلع مواجهات مع الشبان.

وفي جنين، اقتحمت قوات الاحتلال إحدى القرى وحولت منزلًا إلى ثكنة عسكرية، في تكتيك يتكرر منذ شهور ويهدف إلى فرض السيطرة الميدانية وترهيب السكان. أما في مخيم عقبة جبر جنوب أريحا، فقد تسللت قوة خاصة إسرائيلية عبر مركبة تحمل لوحات فلسطينية، واعتقلت أربعة شبان بعد الاعتداء عليهم بالضرب.

هذه العمليات تعكس استراتيجية إسرائيلية واضحة: تحويل الضفة الغربية إلى ساحة استنزاف مفتوحة، عبر القتل والاعتقال والاقتحام اليومي، بما يضمن إضعاف أي بنية تنظيمية أو مقاومة ناشئة، وفرض واقع أمني دائم يخدم مشروع التوسع الاستيطاني.

أرقام الشهداء.. سياسة قتل ممنهج

بارتقاء محمد شريم، يرتفع عدد الشهداء في الضفة الغربية منذ بدء الحرب على غزة إلى 1114 شهيدًا، بينهم 230 طفلًا، وفق معطيات رسمية فلسطينية. كما أصيب نحو 11 ألفًا و500 آخرين، واعتُقل قرابة 22 ألف فلسطيني.

هذه الأرقام لا يمكن قراءتها باعتبارها نتائج “احتكاكات أمنية” عابرة. نحن أمام سياسة قتل ممنهج، تستهدف كسر الإرادة الفلسطينية وفرض وقائع جديدة على الأرض. في ظل انشغال العالم بغزة، تعمل حكومة الاحتلال على تسريع الاستيطان، وتوسيع نفوذها العسكري في الضفة، مستفيدة من غطاء أمريكي وصمت أوروبي.

بين إجرام الاحتلال وصمت عباس

في مقابل هذا التصعيد، يزداد الغضب الشعبي تجاه السلطة الفلسطينية ورئيسها محمود عباس. فبينما يسقط الشهداء يوميًا، لا يصدر عن القيادة الرسمية سوى بيانات شجب تقليدية، دون أي خطوات عملية لوقف التنسيق الأمني أو إعادة تعريف العلاقة مع الاحتلال.

يرى كثير من الفلسطينيين أن استمرار التنسيق الأمني في هذا السياق يمثل خيانة سياسية وأخلاقية لدماء الشهداء. فكيف يمكن لسلطة تدعي تمثيل الشعب أن تواصل التعاون الأمني مع قوة تقتل أبناءه؟ هذا السؤال يتردد بقوة في الشارع، ويزداد إلحاحًا مع كل جنازة.

إن استشهاد محمد شريم في قلقيلية ليس مجرد خبر عابر، بل مؤشر جديد على مرحلة شديدة الخطورة تمر بها الضفة الغربية. إجرام الاحتلال يتصاعد بلا رادع، فيما تبدو السلطة الفلسطينية عاجزة عن حماية شعبها أو حتى اتخاذ موقف حاسم ينسجم مع حجم الجرائم المرتكبة.

في النهاية، تظل قلقيلية، مثل جنين ونابلس ورام الله، عنوانًا لصراع مفتوح. رصاصة الاحتلال لم تُسكت الشارع، بل أطلقت هتافات أعلى. وبين دم الشهداء وغضب المشيعين، تتشكل معادلة جديدة في الضفة: الاحتلال يقتل، والشعب يغلي، والسلطة تقف في منطقة رمادية تزداد ضيقًا يومًا بعد يوم.

اقرأ أيضًا : الميليشيا الإماراتية تقصف مستشفى بسنار وتصعيد بكردفان يفضح كلفة الحرب السودانية المتفاقمة