على الرغم من الإعلان عن اتفاق يفترض أن يؤدي إلى وقف حرب الإبادة على قطاع غزة، وبدء تنفيذ المرحلة الأولى من خطة السلام، واصل جيش الاحتلال الإسرائيلي فجر الخميس شنّ غاراته الجوية والمدفعية على مدينتي غزة وخان يونس، في مشهد ينسف كل الوعود والضمانات التي رافقت الإعلان الأميركي الأخير، ويؤكد أن الاحتلال ماضٍ في نهجه العسكري حتى الرمق الأخير.

قصف متجدد رغم الهدنة المعلنة
أفادت وسائل إعلام فلسطينية بأن طائرات الاحتلال نفذت فجر اليوم قصفاً عنيفاً على المناطق الغربية لمدينة غزة، واستهدفت أحد المنازل في مخيم الشاطئ، الذي شهد خلال الأسابيع الماضية سلسلة من المجازر الدامية نتيجة القصف الإسرائيلي المتكرر. كما أكدت قناة الأقصى الفضائية أن القصف المدفعي الإسرائيلي طال مناطق متفرقة من المدينة، تزامناً مع تحليق مكثف للطائرات الحربية في أجواء القطاع.
وشهدت أحياء الشجاعية والتفاح والدرج شرقي المدينة قصفاً مدفعياً متواصلاً، في حين فجّرت قوات الاحتلال مدرعة مفخخة بين المنازل في حي الصبرة جنوبي مدينة غزة، ما تسبب في انهيار عدد من الأبنية فوق ساكنيها. وأفاد مراسل الجزيرة بأن الاحتلال نفذ غارات وهمية متزامنة مع إطلاق مضادات حرارية من جنوب القطاع إلى شماله، في محاولة لإرهاب السكان ومنعهم من التحرك في مناطقهم.
أما في خان يونس، فقد شنّ الطيران الحربي الإسرائيلي فجر اليوم سلسلة من الغارات على أحياء وسط المدينة، بالتزامن مع قصف مدفعي مكثف على الأطراف الشرقية، ما أدى إلى وقوع عدد من الشهداء والجرحى في صفوف المدنيين الذين لم يتمكنوا من مغادرة المدينة بسبب استمرار الحصار.
حصيلة ثقيلة ومعاناة إنسانية متفاقمة
المكتب الإعلامي الحكومي في غزة أعلن في بيان عبر تطبيق تليغرام أن ثمانية فلسطينيين من بين المجوّعين استشهدوا بنيران الاحتلال خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية، أثناء محاولتهم الحصول على مساعدات غذائية في مناطق متفرقة من القطاع. وأشار البيان إلى أن الاحتلال يتعمد استهداف المدنيين الذين يسعون للوصول إلى المساعدات أو نقاط التوزيع، في سياسة وصفتها المؤسسات الحقوقية بـ”الإبادة البطيئة عبر التجويع”.
ووفقاً لآخر إحصائية صادرة عن وزارة الصحة في غزة، ارتفع عدد ضحايا العدوان الإسرائيلي إلى 67,183 شهيداً و169,841 مصاباً منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، وهي حصيلة تعكس عمق الكارثة الإنسانية التي يعيشها سكان القطاع المحاصر منذ ما يقرب من عامين.
تتحدث تقارير ميدانية عن تدمير أكثر من 80% من البنية التحتية في القطاع، بما في ذلك المستشفيات والمدارس وشبكات المياه والكهرباء، فيما يعاني أكثر من مليوني فلسطيني من انعدام الأمن الغذائي الكامل، وتفشي الأمراض نتيجة انهيار المنظومة الصحية بشكل شبه تام.
تحذيرات الاحتلال من العودة شمالاً
في وقت يواصل فيه الاحتلال قصفه للمدن الجنوبية والوسطى، أصدر الجيش الإسرائيلي تحذيرات جديدة للسكان المدنيين من العودة إلى المناطق الشمالية للقطاع، محذراً من أن تلك المناطق ما زالت “منطقة قتال خطيرة”. وقال متحدث باسم الجيش إن قواته لا تزال تطوق مدينة غزة، وإن أي محاولة للعودة إليها تمثل “خطراً على الحياة”، داعياً الفلسطينيين إلى البقاء في المناطق الجنوبية حتى إشعار آخر.
ويأتي هذا التحذير بعد أيام من إعلان الاحتلال إنهاء عملياته العسكرية الرئيسية في شمال القطاع، ما يؤكد أن المنطقة لا تزال ساحة مواجهة مفتوحة، وأن التصريحات الإسرائيلية بشأن “الهدوء النسبي” مجرد أداة لخداع الرأي العام الدولي، وتخفيف الضغط المتزايد على تل أبيب بعد جرائمها المتواصلة.
من جهته، دعا المكتب الإعلامي الحكومي في غزة السكان إلى توخي أقصى درجات الحيطة والحذر أثناء تنقلاتهم، وحثّهم على عدم استخدام شارعي الرشيد وصلاح الدين حتى صدور تعليمات جديدة، مشيراً إلى أن الاحتلال يستهدف كل تحرك مدني في تلك المناطق بزعم الاشتباه في وجود مقاتلين.
“عربات جدعون 2”.. فصل جديد من التهجير
أدى الهجوم الإسرائيلي الأخير على مدينة غزة ضمن ما يُعرف بعملية “عربات جدعون 2” إلى تهجير مئات الآلاف من المدنيين من المدينة باتجاه الجنوب، في استمرار لسياسة التهجير القسري التي تنفذها إسرائيل منذ بداية الحرب. وبحسب تقديرات ميدانية، لا يزال ما بين 200 إلى 300 ألف فلسطيني في مدينة غزة يواجهون خطر الموت جوعاً أو تحت الأنقاض.
ويؤكد مراقبون أن إسرائيل تسعى من خلال هذه العملية إلى فرض واقع ديموغرافي جديد في القطاع عبر تفريغ الشمال من سكانه، وتحويل المناطق المدمرة إلى “منطقة أمنية عازلة”، في خطوة اعتبرتها منظمات حقوقية تمهيداً لضم فعلي غير معلن.
اتفاق هشّ وواقع دموي
تأتي هذه التطورات في وقت كان من المفترض أن يبدأ تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي أعلن عنه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، والذي تضمن تبادل الأسرى وانسحاباً جزئياً للجيش الإسرائيلي إلى خطوط متفق عليها. غير أن استمرار الغارات يؤكد هشاشة الاتفاق وافتقاره لأي ضمانات حقيقية، وسط شكوك فلسطينية ودولية في نوايا تل أبيب تجاه الالتزام ببنوده.
ويرى محللون أن ما يجري اليوم هو محاولة إسرائيلية للضغط الميداني قبل تثبيت خطوط وقف النار، بهدف فرض شروط سياسية جديدة تتعلق بملف الأسرى ومستقبل قطاع غزة بعد الحرب. فيما يعتبر الفلسطينيون أن أي اتفاق لا يتضمن انسحاباً كاملاً ورفعاً للحصار سيظل حبراً على ورق.
خاتمة
برغم الاتفاق المعلن واحتفالات الوسطاء بما سموه “بداية السلام”، ما زالت أصوات القصف وصرخات الأطفال في غزة وخان يونس تكشف زيف هذه الرواية. فالحرب لم تتوقف، والإبادة لم تُرفع، والمجازر لا تزال تتكرر. وبينما تحاول واشنطن وتل أبيب تسويق مشهدٍ سياسي جديد، يكتب الفلسطينيون بدمائهم الحقيقة ذاتها: أن الاحتلال لا يعرف سوى لغة النار، وأن الهدنة التي لا تحمي المدنيين ليست سوى استراحة قصيرة في حربٍ مستمرة منذ أكثر من سبعة عقود.
اقرأ أيضًا : فشل بن سلمان العسكري يتجدد.. السعودية تقصف معقل الحوثي وتحشد لتعويض إخفاق اليمن