في مشهدٍ يعكس مأزق الحرب اليمنية الممتدة منذ نحو عقد، نفذ الجيش السعودي، الثلاثاء، قصفًا مدفعيًا على محافظة صعدة، المعقل الرئيس لزعيم جماعة الحوثيين شمالي اليمن، في وقتٍ تشهد فيه جبهات محافظة تعز تحركاتٍ عسكرية واسعة وتحشيدًا متبادلًا بين القوات الحكومية والحوثيين.
هذا التصعيد المتجدد، يأتي في لحظة سياسية حرجة بالنسبة لولي العهد السعودي محمد بن سلمان، الذي يسعى إلى تلميع صورته الإقليمية بعد فشل مشروعه العسكري في اليمن، وبدء انكشاف أزمته الأمنية عند الحدود الجنوبية للمملكة.

قصف صعدة.. محاولة لإثبات الوجود بعد الفشل
ذكرت قناة “المسيرة” الناطقة باسم الحوثيين أن القصف السعودي استهدف منطقة آل الشيخ بمديرية منبه الحدودية مع المملكة، دون أن تُسجّل خسائر بشرية.
ويُعد هذا الاستهداف إشارة واضحة إلى استمرار النهج العسكري الذي تتبناه الرياض، رغم ترويجها لجهود “السلام” مع الحوثيين خلال العامين الماضيين، بعد أن تآكلت قدرتها الميدانية وفقدت السيطرة على زمام المبادرة في معظم الجبهات اليمنية.
القصف الجديد لا يمكن قراءته بمعزل عن الضغوط الداخلية والخارجية التي يواجهها محمد بن سلمان؛ إذ تتصاعد الانتقادات داخل المملكة بشأن جدوى استمرار الحرب التي استنزفت المليارات من خزينة الدولة، وأضعفت القدرات الدفاعية للسعودية، دون تحقيق أهدافها المعلنة منذ انطلاق عملية “عاصفة الحزم” في مارس/آذار 2015.
ورغم محاولات ولي العهد تقديم الحرب كوسيلة لوقف تمدد النفوذ الإيراني، فإن النتيجة جاءت عكسية تمامًا؛ فقد تحولت صعدة إلى قاعدة نفوذٍ إيرانية متقدمة على حدود السعودية، بينما نجح الحوثيون في تطوير قدراتهم العسكرية، بما في ذلك الصواريخ والطائرات المسيرة التي باتت تشكل تهديدًا مباشرًا للعمق السعودي.
تعز تشتعل.. تحشيد متبادل يكشف هشاشة الهدنة
في المقابل، تشهد محافظة تعز، جنوب غربي اليمن، واحدة من أكثر الجبهات تعقيدًا، حالة من التحشيد العسكري المكثف.
العقيد عبدالباسط البحر، المتحدث باسم قوات الجيش اليمني في محور تعز، أكد أن الحوثيين “كثفوا تحشيداتهم ودفعوا بتعزيزات كبيرة نحو مديريات شرعب السلام وشرعب الرونة”، مشيرًا إلى أن الجيش “يراقب هذه التحركات ويستعد لمواجهتها على أساس أسوأ الاحتمالات”.
وتكشف هذه التطورات الميدانية أن الهدنة المعلنة برعاية الأمم المتحدة منذ نيسان/أبريل 2022، باتت هشة عمليًا، وأن الصراع قابل للاشتعال في أي لحظة، خصوصًا في المناطق ذات الكثافة السكانية العالية مثل تعز.
ويرى مراقبون أن تصعيد الحوثيين في تعز ليس سوى محاولة لاختبار قدرة القوات الحكومية على الصمود، ولإرسال رسائل ضغط إلى التحالف الذي تقوده السعودية، بأن أي استئناف للعمليات ضد الجماعة سيقابله ردٌّ مؤلم على الأرض.
حرب مزدوجة في تعز: عسكرية وإعلامية
العقيد البحر أوضح أن قوات الجيش اليمني في محور تعز “تخوض حربًا مزدوجة عسكرية وإعلامية في آن واحد”، محذرًا من وجود خلايا داخل مناطق الحكومة “تتخادم مع أهداف الحوثيين”.
هذا التصريح يعكس جانبًا من حالة الارتباك والانقسام التي تعيشها معسكرات الحكومة اليمنية المدعومة من الرياض، والتي باتت عاجزة عن توحيد قرارها العسكري، خصوصًا بعد توسع النفوذ الإماراتي في الجنوب، وتراجع الحضور السعودي في الميدان.
المواجهات التي اندلعت مؤخرًا في الجبهة الشرقية لتعز، بمحيط القصر الجمهوري ومعسكر التشريفات، تُظهر أن حالة “اللا حرب واللا سلم” التي حاولت الأمم المتحدة تكريسها، لم تعد قابلة للاستمرار، وأن كل الأطراف تستعد لجولة جديدة من الصراع.
الأمم المتحدة تحذر.. وبن سلمان يغامر مجددًا
التحركات العسكرية المتصاعدة دفعت المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ إلى التحذير من “عودة النزاع الشامل” في البلاد، مشيرًا إلى أن الأنشطة العسكرية في تعز ومأرب والضالع تُنذر بتدهور كبير في الوضع الأمني.
إلا أن السعودية – رغم هذا التحذير – تبدو وكأنها تُعيد خلط الأوراق ميدانيًا عبر دعم جبهات محددة لإعادة تثبيت نفوذها، في محاولة يائسة لاستعادة توازن الردع الذي فقدته أمام الحوثيين منذ سنوات.
ويرى محللون أن هذا التحرك السعودي ليس إلا مقامرة سياسية يقودها محمد بن سلمان، هدفها رفع سقف التفاوض مع الحوثيين وتحسين موقعه التفاوضي بعد سلسلة من الإخفاقات الدبلوماسية والعسكرية.
لكن المشكلة تكمن في أن أي تصعيد جديد قد يفتح الباب أمام مواجهات حدودية واسعة تهدد المدن الجنوبية للمملكة، مثل جازان ونجران، ما يعيد المشهد إلى نقطة الصفر ويقوّض ما تبقى من “التهدئة الهشة”.
اليمن.. الحرب التي أحرجت بن سلمان
منذ ثماني سنوات على بدء الحرب، لم تحقق السعودية سوى الهشاشة السياسية والعسكرية في اليمن، حيث انهارت صورة المملكة كقوة إقليمية قادرة على فرض إرادتها، فيما تحولت الحرب إلى مأزق استراتيجي لبن سلمان داخليًا وخارجيًا.
فعلى الصعيد الدولي، تُلاحقه اتهامات بانتهاكات حقوق الإنسان في اليمن، بينما تراجعت سمعة المملكة في العالم الإسلامي بسبب حجم الدمار والمعاناة الإنسانية التي خلفها العدوان.
أما داخليًا، فقد تصاعدت التكلفة الاقتصادية والسياسية للحرب، وسط تململ شعبي غير معلن من استمرار النزيف المالي والعسكري.
وبينما يحاول بن سلمان تصدير صورة “القائد الإصلاحي”، فإن الملف اليمني يظل الجرح الأكبر في تاريخه السياسي، والعنوان الأوضح على فشل استراتيجيته القائمة على الحسم العسكري دون رؤية سياسية أو تفاهمات حقيقية مع القوى اليمنية.
خاتمة
القصف السعودي على صعدة، والتحركات العسكرية في تعز، ليسا سوى أعراض لمرضٍ سياسي مزمن أصاب المشروع السعودي في اليمن منذ بدايته.
فالحرب التي أرادها بن سلمان بوابةً للنفوذ الإقليمي تحولت إلى عبءٍ ثقيل يُهدد أمن المملكة ذاته، فيما تتزايد مكاسب الحوثيين على الأرض، وتتقلص قدرة الرياض على المناورة.
وفي ظل غياب رؤية سياسية شاملة، تبدو الحرب اليمنية مرشحة للاستمرار كواحدة من أطول الحروب الفاشلة في تاريخ المنطقة الحديث.
اقرأ أيضًأ : بالتزامن مع ذكرى الطوفان.. والمقاومة في غزة تعود لتقصف مستوطنة نتيف هعسراه