لم تعد إسرائيل في الولايات المتحدة تتمتع بالحصانة الشعبية والسياسية نفسها التي تمتعت بها لعقود. فبعد حرب الإبادة في غزة، وتوسّع العدوان الإسرائيلي في المنطقة، وتزايد الغضب من حجم نفوذ تل أبيب داخل القرار الأمريكي، أصبحت إسرائيل بالنسبة إلى قطاعات واسعة من الأمريكيين، خاصة داخل القاعدة الديمقراطية، عبئًا سياسيًا وأخلاقيًا. لم تعد المشكلة بالنسبة إلى أنصار إسرائيل هي كيفية تحسين صورتها فقط، بل كيفية حماية نفوذها من التحولات الشعبية القادمة.
تقارير جديدة تكشف أن أنصار إسرائيل في واشنطن يتحركون الآن وفق استراتيجية مختلفة؛ فبعد أن أصبح الدفاع العلني عن تل أبيب أكثر كلفة سياسيًا، وبعد أن صارت أموال اللوبيات المؤيدة لإسرائيل، وعلى رأسها “إيباك”، عبئًا على عدد متزايد من المرشحين الديمقراطيين، يجري العمل على نقل العلاقة الأمريكية الإسرائيلية من مساحة الضغط السياسي إلى مساحة الإلزام القانوني والمؤسسي. بمعنى أوضح: إذا لم تعد إسرائيل قادرة على كسب الرأي العام الأمريكي كما في السابق، فهي تحاول أن تزرع نفسها داخل القوانين والميزانيات والمؤسسات الأمنية والاستخباراتية، بحيث يصبح فك الارتباط معها معقدًا حتى لو تغيرت إرادة الناخبين.
هذا التحول لا يعني أن السياسة الأمريكية الرسمية تخلت عن إسرائيل. على العكس، لا يزال الدعم الحكومي والعسكري والاستخباراتي الأمريكي لإسرائيل متقدمًا جدًا على المزاج الشعبي. لكن الفجوة بين الدولة والمجتمع تتسع. الرأي العام الأمريكي بات أكثر رفضًا لاستمرار تمويل حرب غزة، وأكثر تشككًا في النفوذ الإسرائيلي داخل واشنطن، وأكثر مطالبة بوضع المصالح الأمريكية فوق مصالح تل أبيب. ومع كل دورة انتخابية جديدة، يزداد احتمال وصول سياسيين يرفضون أموال “إيباك”، أو يتعهدون بتغيير السياسة الخارجية، أو يتجنبون الارتباط العلني بإسرائيل خوفًا من رد فعل الناخبين.
أمام هذا الواقع، يتحرك أنصار إسرائيل في اتجاه أكثر عمقًا وخطورة. لم تعد المسألة مجرد دعم انتخابي لمرشحين موالين لتل أبيب، بل محاولة لبناء طبقات قانونية ومؤسسية تجعل المصالح الإسرائيلية جزءًا ثابتًا من آليات صنع القرار الأمريكي. فإذا أصبح دعم إسرائيل منصوصًا عليه في قوانين الدفاع والاستخبارات، وإذا دُمجت التكنولوجيا الإسرائيلية في المشتريات الدفاعية الأمريكية الكبرى، وإذا صار تبادل المعلومات الاستخباراتية مع تل أبيب شبه تلقائي، فإن أي رئيس أمريكي قادم سيجد نفسه أمام منظومة جاهزة من القيود، لا أمام خيار سياسي يمكن تعديله بسهولة.
هذه ليست بداية العلاقة الخاصة بين واشنطن وتل أبيب، بل مرحلة جديدة من ترسيخها. فقد سبق للكونغرس أن جعل الحفاظ على ما يسمى “التفوق العسكري النوعي” لإسرائيل التزامًا قانونيًا على الولايات المتحدة. ويعني ذلك، بحسب الصيغة القانونية الأمريكية، ضمان قدرة إسرائيل على مواجهة وهزيمة أي تهديد عسكري تقليدي من دولة منفردة أو تحالف دول أو حتى أطراف غير حكومية، مع تقليل خسائرها إلى الحد الأدنى، عبر تفوق نوعي في الأسلحة والقيادة والسيطرة والاتصالات والاستخبارات والمراقبة والاستطلاع. عمليًا، لا يكتفي القانون الأمريكي بدعم إسرائيل، بل يلزم الولايات المتحدة بضمان تفوقها العسكري على محيطها كله.
الجديد الآن أن أنصار إسرائيل يحاولون إدخال إجراءات إضافية داخل قوانين لا يستطيع الكونغرس إسقاطها بسهولة، مثل قانون تفويض الدفاع الوطني وقانون تفويض الاستخبارات. هذه القوانين تُعد من التشريعات “الواجب تمريرها”، لأنها تموّل البرامج العسكرية والاستخباراتية الأمريكية الواسعة، ولذلك تُستخدم غالبًا كحاملة لتدابير أخرى لا تمر بالضرورة كنصوص مستقلة. وهنا تكمن خطورة الخطة: بدل أن يُطرح تعميق الارتباط مع إسرائيل في قانون منفصل قد يثير جدلًا عامًا، يتم إدخاله داخل تشريعات ضخمة يصعب على أعضاء الكونغرس رفضها.
في قانون تفويض الدفاع الوطني، يتحدث التقرير عن إجراء مقترح لإنشاء مسؤول تنفيذي داخل الحكومة الأمريكية تكون مهمته ضمان دمج التعاون الدفاعي والأمني بين إسرائيل والولايات المتحدة عبر مختلف الإدارات. كما يتضمن الإجراء توسيعًا كبيرًا لمشاركة التكنولوجيا، واشتراط دمج التكنولوجيا الإسرائيلية في مشتريات دفاعية أمريكية كبرى. هذه الصيغة لا تعني تعاونًا عسكريًا عاديًا بين حليفين، بل خلق تشابك مؤسسي يجعل التكنولوجيا والاستراتيجية والتسليح الإسرائيلي جزءًا من البنية الدفاعية الأمريكية نفسها.
إذا تم تمرير مثل هذه الإجراءات، فإن فصل المصالح الأمريكية عن المصالح الإسرائيلية سيصبح أكثر صعوبة. فعندما تدخل التكنولوجيا الإسرائيلية في صفقات الدفاع الكبرى، وعندما تصبح شركات السلاح والتكنولوجيا في البلدين مرتبطة بمشاريع مشتركة، وعندما يتوزع التعاون على إدارات حكومية متعددة، لا يعود بإمكان رئيس أمريكي أن يغير السياسة بمجرد قرار سياسي. سيكون عليه مواجهة شبكة من القوانين والعقود والشركات والمصالح البيروقراطية التي صُممت أصلًا كي تمنع أي تحول جذري بعيدًا عن إسرائيل.
أما في قانون تفويض الاستخبارات، فالمقترح أخطر من زاوية أخرى. إذ يتضمن توسيعًا واسعًا لتبادل المعلومات الاستخباراتية ليس فقط مع إسرائيل، بل أيضًا مع أي دولة عربية أو إسلامية تنضم إلى اتفاقيات أبراهام وتطبع علاقاتها مع تل أبيب. بهذا المعنى، تتحول الاستخبارات الأمريكية إلى مكافأة سياسية للدول التي تقبل بالدخول في هندسة التطبيع مع إسرائيل. فبدل أن يكون تبادل المعلومات مبنيًا فقط على المصالح الأمريكية المباشرة أو تقديرات الأمن القومي، يصبح مرتبطًا بموقع الدولة من مشروع التطبيع الإسرائيلي.
الإجراء المقترح يلزم الولايات المتحدة بمشاركة معلومات دفاعية واسعة قد تكون محل اهتمام إسرائيل، ولا يسمح للرئيس بحجبها إلا إذا وُجد “قلق محدد وقابل للتحديد يتعلق بالأمن القومي”، على أن يبرر ذلك أمام الكونغرس. هذا يعني أن الأصل سيكون المشاركة، والاستثناء هو الحجب. والأخطر أن القيود المفروضة على مشاركة المعلومات مع الدول العربية أو الإسلامية المطبعة ستكون أوسع من القيود المفروضة على إسرائيل؛ إذ يمكن حجب معلومات عنها إذا كانت متحالفة مع خصوم واشنطن، بينما لا يظهر قيد مماثل بالدرجة نفسها تجاه تل أبيب.
بهذه الصيغة، لا تصبح إسرائيل مجرد متلقٍ للمساعدة الأمريكية، بل طرفًا ثابتًا في هندسة شبكة إقليمية تدور حولها. الدول العربية والإسلامية التي تطبع معها تحصل على امتيازات استخباراتية أمريكية، وإسرائيل تحصل على موقع مركزي داخل هذا النظام، والولايات المتحدة تستخدم أدواتها الأمنية لتوسيع دائرة التطبيع. وهكذا تتحول اتفاقيات أبراهام من مسار دبلوماسي إلى بنية استخباراتية، وتصبح العلاقة مع إسرائيل بوابة إلى الامتيازات الأمنية الأمريكية.
البعد الثالث في الاستراتيجية الإسرائيلية يتعلق بالسلاح والتكنولوجيا. فمع تصاعد الرفض الأمريكي لمنح إسرائيل مساعدات عسكرية مفتوحة من أموال دافعي الضرائب، ومع تزايد المطالب بربط أي مساعدات أمريكية باحترام القانون الدولي وحقوق الإنسان، بدأ أنصار إسرائيل في الدفع نحو نموذج جديد: تحويل المساعدات من “منح” ظاهرة إلى “شراكات” بين القطاعين العام والخاص، تجمع شركات التكنولوجيا والسلاح الأمريكية والإسرائيلية في مشاريع مشتركة. الفكرة هنا هي تجميل الدعم العسكري عبر تقديمه كاستثمار يخلق وظائف وفرصًا صناعية داخل الولايات المتحدة، لا كشيك مفتوح لتل أبيب.
هذا التحول ينسجم مع تصريحات سابقة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي تحدث عن ضرورة أن تقلل إسرائيل اعتمادها على المساعدات الأمريكية التقليدية، وأن تتجه نحو شراكات أوسع بين شركات التكنولوجيا والسلاح في البلدين. لكن جوهر الخطة لا يعني الاستقلال الحقيقي عن واشنطن، بل إعادة تغليف الدعم الأمريكي في شكل أقل تعرضًا للغضب الشعبي. فبدل أن يُقال للناخب الأمريكي إن أمواله تذهب مباشرة لشراء أسلحة لإسرائيل، سيُقال له إن الحكومة تستثمر في شركات أمريكية، وتخلق وظائف، وتعزز الابتكار الدفاعي، بينما تكون النتيجة العملية هي استمرار تدفق التكنولوجيا والسلاح والخدمات إلى إسرائيل.
هذا النموذج سيكون أكثر صعوبة في مواجهته من المساعدات التقليدية. فحين تصبح شركات كبرى داخل قطاع التكنولوجيا والتصنيع والسلاح طرفًا مباشرًا في الشراكة، ستتشكل جبهة مصالح اقتصادية تدافع عن استمرارها، ليس فقط باسم إسرائيل، بل باسم الوظائف والاستثمارات والتنافس الصناعي. وبمرور الوقت، قد تصبح هذه الشراكات قادرة على الاستمرار حتى لو تراجع الدعم الحكومي المباشر، لأنها ستكون قد أنتجت شبكات مصالح مربحة داخل السوق الأمريكية نفسها.
بهذه الطريقة، تحاول إسرائيل وأنصارها تحصين قدرتها على شن الحروب باستخدام السلاح الأمريكي والدعم اللوجستي والاستخباراتي والتكنولوجي الأمريكي، بغض النظر عما يريده الرأي العام الأمريكي. فالشعب قد يرفض استمرار تمويل الحرب، والناخبون قد يعاقبون السياسيين المؤيدين لإسرائيل، والمرشحون قد يتجنبون أموال “إيباك”، لكن القوانين والعقود والشراكات التي تُزرع الآن داخل بنية الدولة قد تجعل التغيير أصعب بكثير من مجرد تغيير خطاب أو تبديل إدارة.
الأزمة هنا ليست فقط في الانحياز الأمريكي التقليدي لإسرائيل، بل في محاولة تحويل هذا الانحياز إلى وضع دائم ومحصن ضد الديمقراطية نفسها. فحين يُستخدم القانون لتقييد خيارات الرؤساء القادمين، وحين تُربط المساعدات العسكرية بمصالح الشركات، وحين تتحول الاستخبارات الأمريكية إلى أداة لمكافأة التطبيع مع إسرائيل، فإن إرادة الناخبين تصبح أقل قدرة على تغيير السياسة الخارجية. وهذا بالضبط ما يجعل الخطة خطيرة: إنها لا تدافع عن إسرائيل أمام الرأي العام، بل تحاول الالتفاف عليه.
القصة تكشف كذلك فشلًا أعمق في الديمقراطية الأمريكية. فبينما يدفع المواطن الأمريكي الضرائب، ويطالب بوقف تمويل الإبادة في غزة، تتحرك مراكز النفوذ لكتابة قوانين تضمن استمرار الدعم نفسه، وربما تعميقه، خارج أي نقاش شعبي حقيقي. وبينما يُفترض أن تعكس السياسة الخارجية مصالح الأمريكيين، يجري تصميم آليات تجعل مصلحة دولة أجنبية، هي إسرائيل، حاضرة على طاولة القرار بصورة دائمة، حتى عندما تتعارض مع المزاج الشعبي أو مع القانون الدولي أو مع أمن الولايات المتحدة نفسه.
لذلك، فإن الحديث عن أن إسرائيل أصبحت “علامة سامة” في السياسة الأمريكية لا يعني أنها ضعفت داخل مؤسسات واشنطن. قد تكون خسرت جزءًا مهمًا من صورتها الشعبية، لكنها تعمل في المقابل على تعويض ذلك بتثبيت نفوذها في القانون. وهذه هي المفارقة: كلما تراجعت قدرة إسرائيل على إقناع الأمريكيين أخلاقيًا، زادت محاولاتها لجعل دعمها التزامًا قانونيًا وبيروقراطيًا واقتصاديًا يصعب كسره.
ما يجري اليوم هو انتقال من سياسة اللوبي التقليدي إلى هندسة الدولة من الداخل. لم تعد تل أبيب تكتفي بالحصول على دعم سياسي وانتخابي؛ بل تريد مكانًا ثابتًا في تخطيط الأمن القومي الأمريكي، وممرًا دائمًا إلى التكنولوجيا والاستخبارات، وشراكات صناعية تجعل سلاحها جزءًا من اقتصاد الحرب الأمريكي. إنها محاولة لتحويل العلاقة الأمريكية الإسرائيلية من خيار سياسي قابل للمراجعة إلى بنية قانونية ومؤسسية تصمد أمام الرأي العام.
في النهاية، تبدو الاستراتيجية الإسرائيلية الجديدة اعترافًا غير معلن بحقيقة كبرى: إسرائيل لم تعد قادرة على الاعتماد على صورتها القديمة في أمريكا. حرب غزة كشفت الكثير، والغضب الشعبي اتسع، واللوبيات المؤيدة لها لم تعد تعمل دون تكلفة سياسية. لذلك تنتقل تل أبيب إلى الخطة الأكثر خطورة: إذا لم تستطع أن تكسب قلوب الناخبين، فستحاول تكبيل أيدي من ينتخبونهم.
وهذا، في جوهره، ليس دفاعًا عن تحالف، بل التفاف على الديمقراطية الأمريكية نفسها. فالدولة التي تدعي أنها تقود العالم الحر تُعاد صياغة بعض قوانينها الدفاعية والاستخباراتية حتى تضمن لإسرائيل نفوذًا دائمًا، بينما تُهمَّش أصوات الأمريكيين الرافضين لاستخدام أموالهم وسلاحهم وتكنولوجيتهم في دعم الإبادة والاحتلال والحروب. إسرائيل تخسر الشارع الأمريكي، لكنها تحاول أن تكسب معركتها الأخطر داخل قوانين واشنطن.