في مشهدٍ مثير للجدل يعكس تصاعد النزعات العنصرية داخل حكومة اليمين الإسرائيلي، ظهر وزير الأمن القومي المتطرف إيتمار بن غفير، اليوم الاثنين، وإلى جانبه عدد من نواب حزبه “القوة اليهودية”، وهم يضعون على صدورهم دبوسًا ذهبيًا على شكل “مشنقة” خلال مشاركتهم في مداولات لجنة الأمن القومي في الكنيست. الخطوة لم تكن مجرد إشارة رمزية، بل إعلان صريح لدعم مشروع قانون يطالب بفرض عقوبة الإعدام على الأسرى الفلسطينيين، في سابقة تُعيد إسرائيل إلى خطاب الإبادة والعقاب الجماعي.

رسالة سياسية من “المشنقة”: التشريع كأداة للقتل

اختيار بن غفير ونوابه لدبوس المشنقة لم يكن عفويًا. فالمشنقة في الوعي السياسي الدولي ترمز إلى الإعدام خارج إطار العدالة، وإلى أنظمة الاستبداد والقمع. لكن بن غفير، المعروف بخطابه الفاشي والعدائي تجاه الفلسطينيين، أراد تحويل هذا الرمز إلى جزء من حملة ضغط على الكنيست لتمرير مشروع القانون الذي يطالب به منذ سنوات.

بن غفير كتب عبر حسابه على منصة “إكس”:

“وصلتُ أنا وأصدقائي من حزب القوة اليهودية إلى لجنة الأمن القومي لمواصلة الترويج لعقوبة الإعدام. حان وقت عقوبة الإعدام.”

بهذه الكلمات، يحدد الوزير المتطرف أولوياته: تصعيد القمع، وتوسيع دائرة العنف المؤسسي ضد الفلسطينيين، وتحويل القضاء الإسرائيلي إلى أداة للانتقام السياسي، وليس جهة للفصل العادل في النزاعات.

قانون إعدام الأسرى: نصوص تعكس التطرف

القانون الذي أُقر بالقراءة الأولى في 11 نوفمبر الماضي، وينتظر التصويت عليه بالقراءتين الثانية والثالثة، يتضمن بنودًا غير مسبوقة في شدتها. فهو ينص على:

  • الإعدام لكل من يقتل “يهوديًا لمجرد كونه يهوديًا”، حتى في حالة التخطيط فقط.

  • صدور الحكم بأغلبية بسيطة دون إمكانية الاستئناف.
  • منع تخفيف الحكم بالعفو أو المساومة.
  • تنفيذ الإعدام عبر الحقنة السامة خلال 90 يومًا.

هذه البنود تعيد تشكيل النظام القضائي الإسرائيلي ليكون أقرب إلى قوانين الطوارئ الاستعمارية، إذ يُلغى حق الاستئناف، وتُمنع أي مراجعة قانونية لاحقة، ما ينسف قواعد العدالة الطبيعية المعترف بها دوليًا. كما يتجاهل القانون تمامًا السياق السياسي للصراع، ويتعامل مع الفلسطينيين ككيانات قابلة للتصفية، وهي رؤية تتسق مع خطاب بن غفير الذي طالما وصف الأسرى بأنهم “إرهابيون يجب أن يموتوا”.

العنصرية في خطاب وممارسات بن غفير

إيتمار بن غفير ليس مجرد وزير متطرف؛ بل هو صاحب تاريخ طويل من التحريض العنصري، وسبق أن أدين في المحاكم الإسرائيلية بتهم تتعلق بالعنصرية ودعم تنظيم إرهابي. ومع توليه وزارة الأمن القومي أواخر عام 2022، تحولت السجون إلى ساحات قمع مفتوح، حيث فرض قيودًا قاسية على الأسرى الفلسطينيين، شملت:

  • تقليل الغذاء بشكل كبير.
  • منع زيارات الأهالي والمحامين.
  • تقليص ساعات وحق الاستحمام.
  • سحب الأجهزة الكهربائية والأغطية في الشتاء.
  • فرض العزل الانفرادي على عشرات المعتقلين.

هذه الإجراءات أدت، بحسب مؤسسات حقوقية، إلى تدهور غير مسبوق في الأوضاع الإنسانية داخل السجون، فيما وثّقت تقارير فلسطينية وإسرائيلية ارتفاعًا حادًا في الوفيات نتيجة التعذيب والإهمال الطبي.

وفاة 110 أسرى خلال عام ونصف: نتائج مباشرة لسياسات القمع

بحسب موقع “واللا” الإسرائيلي، فقد استشهد 110 أسرى فلسطينيين في سجون الاحتلال منذ تولي بن غفير منصبه، في الفترة بين 23 يناير 2023 و25 يونيو الماضي. هذا الرقم، وهو الأعلى في تاريخ السجون الإسرائيلية خلال فترة زمنية قصيرة، يعكس تحوّل العقاب داخل السجون من الحرمان والتضييق إلى نهج “القتل البطيء”.

ومع احتجاز أكثر من 9300 أسير فلسطيني، بينهم نساء وأطفال، يعيش آلاف المعتقلين في ظروف وصفتها تقارير حقوقية بأنها “تعذيب مُمنهج” و”ظروف تؤدي للموت”، وهو ما اعتبره حقوقيون جزءًا من سياسة الاحتلال الأوسع في قمع الشعب الفلسطيني خلال حرب الإبادة على غزة منذ أكتوبر 2023، والتي قتلت أكثر من 70 ألف فلسطيني وجرحت 171 ألفًا.

“المشنقة” كخطاب سياسي: التطرف ينتقل من الهامش إلى قلب الحكومة

ما كان يعتبر، قبل سنوات، خطابًا ينتمي إلى الهامش اليميني العنصري في إسرائيل، أصبح اليوم سياسة رسمية داخل حكومة نتنياهو. فبن غفير وسموتريتش يمثلان جيلًا جديدًا من السياسيين الذين يستندون إلى عقيدة دينية قومية متشددة، ترى في الفلسطيني “عدوًا بيولوجيًا” يجب التخلص منه.

ارتداء المشنقة اليوم داخل الكنيست هو رسالة متعددة الأبعاد:

  1. تطبيع فكرة الإعدام السياسي داخل المجتمع الإسرائيلي.

  2. شيطنة الفلسطيني وتصويره كخطر وجودي.

  3. توسيع دائرة القمع من الحرب في غزة إلى داخل السجون.

  4. مزايدات يمينية داخل حكومة تعيش صراعًا داخليًا على النفوذ وسط غضب الشارع الإسرائيلي.

خلاصة: إسرائيل تقترب من تشريع عقوبات إبادة

خطوة بن غفير ليست مجرد استفزاز بصري؛ إنها إعلان عن لحظة جديدة في تاريخ التشريعات الإسرائيلية، لحظة يُصبح فيها الإعدام أداة علنية في يد سلطة سياسية يمينية متطرفة، تُسخّر القانون لإخراس الخصوم وتصفية القضية الفلسطينية عبر أدوات الدولة.

وإذا مُرّر قانون الإعدام، فإن إسرائيل لن تكون فقط دولة تمارس القتل خارج القانون، بل دولة تشرّعه رسميًا، في تطور يعكس عمق العنصرية والتطرف الذي بات يحكم مؤسساتها.

اقرأ أيضًا : الاحتلال يضخ مليارات لإقامة 17 مستوطنة جديدة بالضفة.. هندسة ممنهجة لسرقة الأرض وتكريس الفصل العنصري