في تطورٍ دراماتيكي يعكس تصاعد التوتر السياسي في جنوب سوريا، أصدرت ما تُعرف بـ”اللجنة القانونية العليا في السويداء” بيانًا صادمًا الأربعاء، رفضت فيه ما وصفته بـ”خارطة الطريق” التي أعلنتها الحكومة السورية لحل الأزمة المستمرة في المحافظة منذ أكثر من عام، مؤكدة أنّ مستقبل السويداء لا يُقرّر في دمشق ولا عبر تفاهمات إقليمية أو دولية، بل يحدّده أبناء المحافظة أنفسهم. 

هذا البيان الذي حمل لهجة حاسمة وغير مسبوقة، فتح الباب على مصراعيه أمام احتمالات الانفصال أو الإدارة الذاتية، في خطوةٍ تُعيد رسم مشهد الصراع السوري المتشظّي.

رفضٌ صريح لـ«خارطة دمشق» واتهامات مباشرة للأجهزة الأمنية

جاء البيان ردًا على إعلان وزارة الخارجية السورية، عقب اجتماع ثلاثي جمع مسؤولين سوريين وأردنيين ومبعوثًا أمريكيًا في دمشق، عن خطة من ست خطوات لإنهاء التوتر في السويداء.

لكن اللجنة القانونية رأت في تلك الخطة محاولة للالتفاف على المطالب الجوهرية لأبناء المحافظة، ووصفتها بأنها “ترتيبات فوقية لا تمثل السكان ولا تعبّر عن إرادتهم”.

وأشارت اللجنة إلى أنّ بيان الخارجية تضمّن تناقضًا فاضحًا، إذ تحدث من جهة عن “محاسبة المتورطين وفق القانون السوري”، ومن جهة أخرى عن “تعاون مع تحقيقات دولية”، معتبرة أنّ هذا الجمع بين الأمرين يفتقر إلى أي منطق قانوني، ويكشف عن نية الحكومة التهرب من المساءلة. 

وجاء في البيان: “لا يمكن أن يكون المتهم هو ذاته القاضي”، في إشارة مباشرة إلى رفض أي محاكمات تتم تحت إشراف النظام السوري.

كما اتهمت اللجنة الحكومة السورية وأجهزتها الأمنية والعسكرية بأنها “شريك مباشر في الجرائم والانتهاكات التي ارتُكبت بحق أبناء السويداء على مدى السنوات الماضية”، مشددة على أنّ تقديم دمشق نفسها كطرف محايد “هو تزوير للوقائع وتنصل من المسؤولية التاريخية”.

أزمة ثقة عميقة وتخوف من إعادة إنتاج الوصاية المركزية

البيان لفت كذلك إلى أنّ “انعدام الثقة بالقضاء الوطني لم يعد موضع جدل، بعدما أثبتت التجربة أنه جهاز مسيّس خاضع للسلطة التنفيذية وغير قادر على توفير أي ضمانات لمحاكمات عادلة”. 

وأبدت اللجنة رفضها لما طُرح خلال الاجتماع الثلاثي من تشكيل “مجالس محلية أو قوات شرطية مشتركة” في المحافظة، معتبرة ذلك “محاولات لإعادة إنتاج الوصاية المركزية وزرع الفتنة بين أبناء السويداء”، ومحذّرة من أنّ مثل هذه الترتيبات “لن تجلب سوى مزيد من الانقسام”.

في خطوةٍ هي الأخطر من نوعها، ذهبت اللجنة أبعد من مجرد الرفض، لتؤكد أن “الجرائم المرتكبة في السويداء، وما سبقها من عقود من التهميش والإقصاء، تُشكّل أسباباً وجيهة للمطالبة بالحق في تقرير المصير”. 

وأضافت: “نتمسك بحقنا القانوني والأخلاقي في تقرير المصير بحرية واستقلال، سواء عبر إدارة ذاتية أو الانفصال كخيار أخير لضمان أمن وكرامة أبناء المحافظة”.

دعوات لتدويل القضية واتهامات بالتحالف التاريخي مع الاحتلال

كما طالبت اللجنة الأمم المتحدة ومجلس الأمن والمجتمع الدولي بـ”عدم الاعتراف بأي ترتيبات تُفرض قسرًا على أبناء السويداء، ودعم تحقيق مستقل وآليات محاسبة دولية وفق المواثيق الأممية ومبدأ عدم الإفلات من العقاب”، مؤكدة أنّ أي عملية سياسية “لا بد أن تنطلق من احترام إرادة أبناء المحافظة أولاً”.

وفي المقابل، تؤكد الحكومة السورية أن الحراك القائم في السويداء على أنه “اضطرابات محدودة” يقودها “تيار انفصالي مرتبط بالخارج”، ملوّحة في خطابها الرسمي إلى ما تصفه بـ”علاقات تاريخية لبعض الزعامات الدرزية مع قوى الاحتلال الإسرائيلي”.

ويستند النظام في ذلك إلى وقائع موثقة عن تعاون بعض الزعامات الدرزية في الجولان مع سلطات الاحتلال بعد احتلال 1967، ومحاولات إسرائيلية متكررة لاجتذاب الدروز في سوريا ولبنان تحت ذريعة “حمايتهم من الأغلبية السنية”.

ويستخدم النظام هذه السردية لاتهام بعض النشطاء في السويداء اليوم بـ”تلقي دعم خارجي”، في محاولة لتشويه احتجاجاتهم وربطها بأجندات معادية.

مشهد مفتوح على كل الاحتمالات

إعلان اللجنة القانونية العليا في السويداء عن حق تقرير المصير يمثّل تطورًا نوعيًا يهدد بتفجير مواجهة جديدة في سوريا قد تمتد آثارها إلى الجوار، خصوصًا أن المحافظة تعدّ مركز ثقل للطائفة الدرزية التي تتمتع بحضور سياسي واجتماعي في لبنان وفلسطين أيضًا.

وفي حال استمرت دمشق في تجاهل المطالب المحلية، أو حاولت فرض حلول أمنية، فقد يشهد الجنوب السوري موجة تصعيد واسعة، خصوصًا مع وجود تقارير عن محاولات تسليح مجموعات محلية وتشكيل قوات حماية ذاتية.

وبينما تواصل دمشق الرهان على تفاهمات إقليمية مع الأردن والولايات المتحدة لتفكيك الحراك، يبدو أن الواقع على الأرض يسير في اتجاه مغاير تمامًا، حيث يزداد التشرذم في البنية السورية، ويعلو صوت الهويات المحلية على حساب الهوية الوطنية الجامعة. 

ومع كل بيان جديد يخرج من السويداء متحدّيًا مركز السلطة في دمشق، يزداد القلق من أن تكون المحافظة على أعتاب مسار شبيه بما حدث في شمال شرقي سوريا، حين مهّد تجاهل النظام لمطالب الأكراد الطريق لولادة إدارة ذاتية انتهت بواقع شبه انفصالي.

اقرأ أيضًا : وفد يضم صحفيًا إسرائيليًا يزور عدن.. الإمارات تسرّع مسار تقسيم اليمن والتطبيع