في بيان صادم كشف برنامج الأغذية العالمي عن أن ثلث سكان قطاع غزة لا يتناولون الطعام لأيام متتالية، في مشهد يعكس وصول المجاعة إلى مستويات غير مسبوقة وسط حرب إبادة وتجويع ممنهجة.

التحذير الأممي ليس الأول، لكنه الأكثر وضوحًا في تحميل الاحتلال الإسرائيلي مسؤولية قنص المدنيين الجوعى الذين يحاولون الوصول إلى فتات مساعدات، بلغة تقترب من الاتهام بارتكاب جرائم حرب.

 

مجاعة تتجاوز الإنذار الأحمر.. برنامج الأغذية يقرع جرس الخطر

جاء في البيان الصادر عن برنامج الأغذية العالمي أن “شخصًا من كل ثلاثة في غزة لا يتناول الطعام أيامًا”، وهو ما يُعد مؤشراً مرعبًا على انهيار المنظومة الغذائية والصحية في القطاع. الأرقام تتجاوز حالات “انعدام الأمن الغذائي” المعروفة في مناطق النزاع، لتصف وضعًا أقرب إلى الموت البطيء.

ولا تقتصر الأزمة على الجوع فقط، بل تمتد إلى تهديد حياة كل من يحاول الوصول إلى الغذاء. فقد كشف البيان أن حشود المدنيين الذين ينتظرون شاحنات المساعدات يتعرضون لإطلاق نار من دبابات إسرائيلية وقناصة، في ظل تجاهل تام للقانون الدولي الإنساني، رغم أنهم لا يفعلون سوى محاولة النجاة من الجوع.

وأكد البرنامج أن الناس في غزة يموتون فعليًا بسبب نقص الغذاء، مناشدًا المجتمع الدولي وكل الأطراف تسهيل وصول المساعدات الإنسانية إلى المناطق المنكوبة، محذرًا من أن الوضع لم يعد يحتمل التأجيل أو التفاوض.

القتل بالجوع.. إطلاق النار على قوافل المساعدات

البيان أشار إلى حادثة دامية جرت يوم الأحد، عندما دخلت قافلة مكونة من 25 شاحنة عبر معبر زيكيم متجهة إلى شمال غزة. وعلى الرغم من يأس المدنيين الذين اعترضوا طريقها للحصول على الغذاء، إلا أن الجيش الإسرائيلي فتح النار عليهم، ما أدى إلى استشهاد وجرح عدد منهم.

الحادثة ليست استثناء، بل جزء من سياسة متكررة تتبعها قوات الاحتلال في تعاطيها مع ملف المساعدات. ففي وقت سابق، اعتمدت إسرائيل والولايات المتحدة آلية لتوزيع المساعدات بعيدًا عن إشراف الأمم المتحدة والمنظمات الدولية، وهو ما تسبب، بحسب تقارير، في تفاقم الكارثة وزيادة أعداد الشهداء.

المكتب الإعلامي الحكومي في غزة أعلن أن حصيلة من سقطوا بسبب محاولاتهم الحصول على المساعدات في إطار تلك الآلية بلغت 995 شهيدًا و6011 جريحًا و45 مفقودًا حتى يوم الأحد، وهي أرقام تعكس مدى خطورة “التجويع كسلاح” في يد الاحتلال.

التجويع جريمة حرب.. الأمم المتحدة تتهم

في موازاة تحذيرات برنامج الأغذية العالمي، أصدر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) بيانًا وصف فيه الوضع في غزة بأنه كارثي على نحو غير مسبوق، معتبرًا أن تجويع المدنيين “جريمة حرب”، ولا يمكن استخدامه كسلاح.

وأكد البيان الأممي أن العائلات في غزة تعيش في جوع شديد، وأن الأطفال باتوا يعانون من الهزال والموت قبل وصول المساعدات إليهم. واعتبر أن إطلاق النار على المدنيين الباحثين عن الطعام هو انتهاك صارخ للقانون الدولي، مشددًا على أن وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق “ضرورة قانونية وأخلاقية”.

كما حذر من أن الوضع الحالي يهدد بوقوع كارثة جماعية إذا لم يتم التحرك الدولي العاجل، في ظل عجز واضح في أداء الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية، وصمت مطبق من القوى الكبرى التي تشارك فعليًا في حصار القطاع.

حصار المعابر.. القتل جوعًا ورصاصًا

منذ 2 مارس/آذار 2025، تغلق إسرائيل كافة المعابر المؤدية إلى قطاع غزة، وتمنع دخول المساعدات الغذائية والطبية. وبدلاً من فتح الممرات الإنسانية، لجأت إلى سياسة “إدارة التجويع” عبر آلية توزيع محدودة ومسيّسة، تنأى بالأمم المتحدة جانبًا، وتضع حياة المدنيين تحت رحمة الجيش الإسرائيلي.

تقرير برنامج الأغذية يؤكد أن كل المؤشرات تدل على استخدام الجوع كسلاح مباشر لإخضاع السكان، بما في ذلك منع دخول المواد الأساسية، وعرقلة المساعدات، وإطلاق النار على الجياع. وهذا ما جعل برنامج الأغذية يحذر صراحة من أن “الناس يموتون بسبب نقص الغذاء، لا بسبب القصف فقط”.

غزة تحت سكين التجويع.. والمجتمع الدولي يتواطأ بالصمت

بات من المؤكد أن إسرائيل تعتمد سياسة تجويع ممنهجة لتركيع سكان غزة، مدعومة بصمت دولي وتواطؤ بعض الأطراف التي ساهمت في ابتكار آلية توزيع خطيرة. ومع تحذيرات برنامج الأغذية العالمي والأمم المتحدة، تتعاظم الحاجة إلى تحرك دولي عاجل، لا لإيصال المساعدات فقط، بل لمحاسبة مرتكبي جرائم الحرب وتجريم سياسة استخدام الطعام كأداة للإبادة.

فإذا كان ثلث سكان غزة لا يجدون ما يأكلونه لأيام، فإن العالم كله مطالب بالإجابة: كم عدد الموتى الذي يجب أن يسقط حتى تتحرك الضمائر؟

اقرأ أيضًا : المجلس الوطني للإنقاذ.. خطوة سعودية معارضة جديدة لمواجهة “استبداد بن سلمان”