أفادت مصادر في وزارة الإعلام اليمنية شاركت بشكل مباشر في أعمال تحقيق استقصائي خلال السنوات الماضية لصالح شركات إنتاج دولية، فإن فريقًا صحفيًا عمل على ملف لم يُنشر حتى الآن، يتعلق بمشروع جرى الترويج له على أنه إنشاء ميناء لتصدير الحجر الجيري عبر شركة محلية، في منطقة جبلية مطلة على البحر. التحقيق، الذي توقف نشره في حينه، توصّل منذ مراحله الأولى إلى تناقضات جوهرية بين الرواية المعلنة للمشروع والوقائع الفنية والجيولوجية على الأرض.

وبحسب المصادر نفسها، أظهر الفحص الأولي أن الجبل المستهدف يحتاج إلى سنوات طويلة من التكسير المكثف حتى يصل إلى مستوى سطح البحر، وهو ما يجعل أي مشروع لتصدير الحجر الجيري منه غير منطقي اقتصاديًا. وعند العودة إلى التقسيمات الحكومية الرسمية، تبيّن أن الموقع المحدد للميناء يبعد عدة كيلومترات عن الجبل نفسه، بما ينفي الحاجة الفنية لتدمير الجبل بهذا الشكل إذا كان الهدف فعلًا هو الحجر الجيري فقط.
المصادر أوضحت أن الفريق الاستقصائي تتبع لاحقًا الجدوى الاقتصادية المعلنة لميناء تصدير الحجر الجيري، وقارن بين العائد المتوقع وكلفة أعمال التكسير والنقل والبنية التحتية، ليتوصل إلى نتيجة قاطعة مفادها أن العائد لا يغطي حتى جزءًا معقولًا من كلفة تكسير الجبل، وهو ما دفع الفريق للعودة إلى الوثائق الحكومية الأصلية، بما فيها الخرائط الجيولوجية الرسمية. عند مراجعة الخارطة الجيولوجية اليمنية، ظهر أن الجبل مصنف كمنطقة تحتوي على معادن ثقيلة، ومصنف صراحة ضمن المناطق المحظور العمل أو الاستثمار فيها. هذا الاكتشاف، بحسب المصادر، شكّل نقطة التحول الأساسية في التحقيق، إذ لم يعد المشروع قابلًا للتفسير بوصفه نشاطًا تجاريًا عاديًا، بل أصبح مرتبطًا مباشرة باحتمالات نهب موارد محظورة.
وتؤكد المصادر أن الشركة المعنية كانت قد شرعت بالفعل في تكسير الجبل على نطاق واسع، وأن الحجارة المستخرجة لم تكن تُكدّس أو تُستخدم محليًا، بل كانت تُنقل عبر شاحنات ثقيلة مباشرة إلى الميناء، في نمط نقل لا يتناسب مع مشاريع كسّارات محلية، بل يتطابق مع عمليات تحميل للتصدير البحري. هذا النمط، وفق التحقيق، يؤكد أن المواد كانت تُشحن عبر سفن إلى خارج اليمن، وتحديدًا إلى الإمارات العربية المتحدة. أحد أعضاء الفريق، بحسب المصادر، نقل هذه المخاوف بشكل مباشر إلى جهة في الرئاسة اليمنية، محذرًا من خطورة المشروع وطبيعته غير القانونية، إلا أن الرد كان الصمت، في سياق كانت فيه الإمارات، وفق توصيف المصدر، تمارس نفوذًا واسعًا في مختلف مناطق اليمن دون قدرة حقيقية على الاعتراض أو المحاسبة.
هذا المسار الذي وثقته مصادر وزارة الإعلام لا يقف منفصلًا عن سياق أوسع من التقارير الصحفية التي ظهرت لاحقًا، وتحدثت عن أنشطة تعدين وتجريف مشبوهة في الساحل الغربي لليمن، وتحديدًا في المناطق الواقعة قرب مدينة المخا. تقارير صحفية عربية عدة كشفت عن عمليات حفر وتجريف واسعة في منطقة معروفة محليًا باسم “جبل النار”، تقع إداريًا ضمن مديريتي الوازعية والمعافر بمحافظة تعز، وتحدثت عن وجود معدات ثقيلة، ومساحات مدمرة من الجبل، وحركة شاحنات منتظمة باتجاه الموانئ الساحلية، وسط حماية عسكرية لفصائل مرتبطة بالإمارات. هذه التقارير ربطت بين تلك الأنشطة وبين نهب معادن ثمينة، وليس مجرد استخراج حجر بناء، مستندة إلى صور أقمار صناعية وشهادات محلية.

الربط بين التحقيق غير المنشور الذي تحدثت عنه مصادر وزارة الإعلام، والتقارير الصحفية اللاحقة، يصبح أكثر وضوحًا عند النظر إلى البنية التحتية التي أُنشئت في تلك المناطق خلال فترة قصيرة، حيث جرى ربط الوازعية والمعافر بشبكة طرق حديثة تتحمل مرور شاحنات ثقيلة بشكل مستمر، رغم غياب أي نشاط اقتصادي محلي يبرر هذا المستوى من الاستثمار في الطرق. خبراء جيولوجيا يمنيون تحدثوا في تقارير إعلامية عن أن تلك المنطقة معروفة بوجود مؤشرات لمعادن ثمينة، بينها الذهب بنسبة تجارية معتبرة، وهو ما يفسر – وفق هؤلاء – الإصرار على تكسير الجبل بالكامل بدل الاكتفاء باستخراج سطحي محدود.
ولا يتوقف الأمر عند الجبل وحده، إذ تشير تقارير جيولوجية يمنية ودولية إلى أن ساحل المخا نفسه يقع ضمن حوض رسوبي بحري يُعد واحدًا من ستة أحواض رسوبية رئيسية في اليمن، وهي أحواض لم تُطرح رسميًا للاستثمار، ويُعتقد أنها تحتوي على مؤشرات لوجود الغاز. هذا المعطى الجيولوجي، عند وضعه بجانب محاولات إنشاء موانئ “تصدير حجر جيري” في المنطقة نفسها، يفتح الباب أمام تساؤلات جدية حول ما إذا كانت تلك المشاريع تمثل واجهة قانونية للوصول إلى موارد محظورة وغير مطروحة للاستثمار العام.
وتزداد الصورة تعقيدًا عند ربط هذه الوقائع باتفاقيات رسمية وقعتها الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا خلال السنوات الأخيرة، أبرزها الاتفاق الذي أقرّه مجلس الوزراء اليمني في يناير/كانون الثاني 2023، والقاضي بإنشاء ميناء بحري لتصدير الحجر الجيري والمعادن في إحدى المحافظات الساحلية، بتمويل إماراتي وبنظام البناء والتشغيل والتحويل (BOT)، عبر شركة استثمار محلية مرتبطة بشركاء إماراتيين. الاتفاق، الذي جرى الإعلان عنه في بيانات حكومية مقتضبة وتناولته وسائل إعلام رسمية، منح الجهة المنفذة حق إنشاء وتشغيل الميناء لسنوات طويلة قبل نقله للدولة، من دون نشر أي دراسات جدوى فنية أو اقتصادية للرأي العام، ومن دون إتاحة الخرائط الجيولوجية أو التصنيفات المعدنية التي استندت إليها قرارات السماح بالاستثمار في منطقة يفترض أنها ذات حساسية جيولوجية عالية. كما سبقت هذا الاتفاق أو تلته تفاهمات ومذكرات مشابهة تتعلق بتصدير “الحجر الجيري والمعادن” من سواحل يمنية أخرى، في سياق توسّع استثماري إماراتي في الموانئ والبنية التحتية الساحلية، جرى تمريره في ظل الحرب وتفكك المؤسسات الرقابية.
والجدير بالذكر أن خبراء اقتصاد واستثمار حذروا في تحليلات منشورة من أن إقرار مثل هذه الاتفاقيات في غياب الدولة الفاعلة، ومن دون شفافية أو رقابة برلمانية أو مجتمعية، يفتح الباب واسعًا أمام استغلال الثروات السيادية خارج أي مساءلة، خصوصًا عندما تكون الجهة الممولة والمستفيدة طرفًا فاعلًا عسكريًا وأمنيًا على الأرض، وقادرًا على فرض الأمر الواقع بالقوة وليس عبر آليات الاستثمار الطبيعي.
وعند مقارنة ما ورد في نصوص تلك الاتفاقيات مع ما جرى فعليًا على الأرض، تتكشف فجوة واسعة بين الإطار القانوني المعلن والتطبيق الواقعي. فالاتفاقيات تحدثت صراحة عن إنشاء موانئ مخصصة لتصدير الحجر الجيري وبعض المعادن غير المصنفة كمعادن استراتيجية، واشترطت – نظريًا – الالتزام بالقوانين اليمنية النافذة، والحصول على التراخيص البيئية والجيولوجية اللازمة، وعدم المساس بالمناطق المحظورة أو المصنفة كمواقع معادن سيادية. إلا أن الوقائع الميدانية، كما وثقتها تقارير صحفية وشهادات محلية وتحقيقات استقصائية، تشير إلى أن ما جرى لم يكن مجرد إنشاء موانئ أو تشغيل كسّارات حجر تقليدية، بل عمليات تكسير وتجريف واسعة النطاق لجبال كاملة، ونقل منتظم لمواد خام عبر شاحنات ثقيلة إلى الموانئ، في نمط لا يتوافق مع النشاط المصرّح به.
كما أن غياب أي إعلان رسمي عن نتائج مسوحات جيولوجية محدثة، أو عن طبيعة المواد التي جرى استخراجها فعليًا وتصديرها، يتناقض مع متطلبات الشفافية التي نصت عليها الاتفاقيات نفسها. الأخطر من ذلك أن الأعمال الميدانية جرت في مناطق أظهرت الخرائط الجيولوجية الرسمية تصنيفها كمناطق معادن ثقيلة أو كمناطق لم تُطرح أصلًا للاستثمار، ما يعني أن التطبيق العملي تجاوز نصوص الاتفاقيات وحدودها القانونية، وحوّلها من أدوات استثمار معلنة إلى غطاء قانوني هش لفرض أمر واقع، تُستنزف فيه الموارد بعيدًا عن الرقابة، وتُفرغ فيه النصوص الرسمية من مضمونها الفعلي.
في المحصلة، فإن ما كشفته مصادر وزارة الإعلام اليمنية في تحقيقاتها وما رافقه من تقارير صحفية وتحليلات خبراء واتفاقيات استثمارية غامضة، يرسم صورة واحدة متماسكة: مشاريع تُقدَّم كاستثمارات في الحجر الجيري والموانئ، بينما تشير الوقائع الجيولوجية والاقتصادية واللوجستية إلى عمليات تكسير وتجريف ونقل لا يمكن تفسيرها إلا في سياق نهب منظم لموارد معدنية محظورة، جرى تحت غطاء الحرب، والصمت الرسمي، وتوازنات النفوذ الإقليمي. هذا الملف، كما تؤكد المصادر، لا يزال مفتوحًا، ونشر تفاصيله الكاملة يبقى مسألة وقت لا أكثر.
ما تفعله الإمارات في اليمن هو نمط من الاستغلال المنظّم تحت حماية عسكرية وبتواطؤ محلي، يُظهر ضعفًا في الرقابة السيادية ويثير تساؤلات عن مسؤوليات دولية تجاه مثل هذه الانتهاكات.
مزيد من التحقيقات المستقلة، الخرائط الجيولوجية المفصّلة، وتحليل صور الأقمار الصناعية على فترات زمنية متتابعة، إضافة إلى الشفافية في التراخيص والاستثمارات الحكومية، هي وحدها القادرة على كشف الحقيقة الكاملة حول موارد جبل النار وثرواته.