بقلم محمود المنصور
خلال الأشهر الماضية، بدأ الخطاب الغربي حول الخليج يتغير بهدوء، لا عبر مواقف رسمية صاخبة أو بيانات حادة، وإنما من خلال تراكم إشارات صغيرة، وتصريحات محسوبة، وتسريبات مدروسة، توحي بأن توازنات كانت مستقرة بدأت تهتز. هذا التغيّر لا يرتبط بحدث واحد بعينه، بل بسلسلة تطورات إقليمية متداخلة أعادت فتح ملفات ظُنّ أنها أُغلقت، ودفعت عواصم القرار في واشنطن وأوروبا إلى إعادة طرح أسئلة قديمة بصياغة جديدة.
في هذا المناخ، عادت السعودية لتكون محور نقاش سياسي مكثف داخل الكونغرس الأميركي، لا بوصفها شريكًا تقليديًا كما درج الخطاب لعقود، وإنما كطرف يُسأل عن اتجاهاته، وتحالفاته، وحدود استقلال قراره الإقليمي. اللافت أن هذا النقاش لم يبدأ من سياسات معلنة أو تحولات موثقة، بل من سردية جاهزة جرى تداولها فجأة، وبالصياغة نفسها، وعلى ألسنة عدد من المشرعين المعروفين بقربهم من دوائر ضغط محددة في واشنطن.
السردية المتداولة تتلخص في اتهام واضح المعالم: السعودية تبتعد عن “الاعتدال”، تفتح قنوات مع قوى إسلامية، تعمّق علاقتها مع قطر، وتُظهر مسافة متزايدة عن الاصطفاف الإسرائيلي. هذه النقاط لم تُطرح كافتراضات للنقاش أو كاحتمالات قابلة للفحص، وإنما قُدمت بوصفها مخاوف قائمة تستدعي الانتباه. التزامن في طرحها، وتشابه اللغة المستخدمة، يكشف أن الأمر يتجاوز اختلاف تقديرات فردية إلى حملة سياسية جرى إعدادها بعناية.
فهم هذه الحملة يستدعي العودة إلى السياق الإقليمي الأوسع. العلاقة بين السعودية والإمارات لم تعد تسير بالوتيرة نفسها التي طبعت سنوات سابقة. ملفات السودان واليمن والصومال أظهرت تباينات حقيقية في المصالح، وطرق إدارة النفوذ، وأدوات التأثير. هذا التباين، الذي كان يمكن احتواؤه سابقًا داخل الإقليم، بات اليوم أكثر حدة، خصوصًا مع تضارب الحسابات الأمنية والاقتصادية، وتراجع القدرة على إدارة الخلاف خلف الأبواب المغلقة.
عند هذه النقطة، بدأ الخلاف يتحرك خارج الإقليم. واشنطن، بما تملكه من أدوات ضغط سياسية وإعلامية، تحولت إلى ساحة بديلة لإدارة الصراع. هنا ظهرت الاتهامات التي طالما استُخدمت كسلاح فعال في البيئة الغربية: الإسلام السياسي، التطرف، الابتعاد عن إسرائيل. هذه مفردات تحمل وزنًا خاصًا في الخطاب الأميركي، وتملك قدرة على إثارة القلق دون الحاجة إلى أدلة حاسمة.
التقارير والتحليلات الإسرائيلية لعبت دورًا أساسيًا في تهيئة هذا المناخ. منذ اندلاع حرب غزة وتجميد مسار التطبيع، بدأ خطاب إسرائيلي يعيد توصيف السعودية لا كشريك مؤجل، بل كطرف يجب مراقبته. أي تقارب سعودي مع قطر، وأي انفتاح على قوى إقليمية خارج الإطار التقليدي، وأي مسافة عن الأولويات الإسرائيلية، جرى تقديمه كإشارة مقلقة. هذا الخطاب انتقل تدريجيًا من مراكز التفكير إلى دوائر السياسة، ثم ظهر بوضوح في تصريحات مشرعين أميركيين.
اللافت أن جزءًا من المؤسسة السياسية الأميركية حاول احتواء هذا السرد، مؤكدًا أن الخلاف السعودي–الإماراتي ذو طابع تكتيكي، وأن الرياض لم تغيّر بوصلتها الأيديولوجية. غير أن مجرد تخصيص هذا القدر من الجهد لنفي الاتهام يعكس نجاح الحملة في فرض نفسها على جدول النقاش. السعودية وُضعت في موقع الدفاع، لا لأنها غيّرت سياساتها جذريًا، بل لأن مناخ الشك جرى تصنيعه ونقله إلى العلن.
ملف السودان يقدم مثالًا كاشفًا على هذا التناقض. رغم التقارير الواسعة عن فظائع ارتكبتها أطراف مدعومة إماراتيًا، تُظهر الرياض حرصًا واضحًا على عدم دفع واشنطن نحو معاقبة أبوظبي. هذا السلوك يعكس رغبة سعودية في ضبط الخلاف وعدم تدويله. في المقابل، يجري تسويق التحركات السعودية نفسها في الغرب بوصفها إشارات أيديولوجية خطيرة، رغم ارتباطها بحسابات أمنية مباشرة تتعلق بالحدود والنفوذ الإقليمي.
حتى التقارب السعودي–القطري، الذي جاء بعد سنوات من الانقسام الخليجي، تحوّل في هذا الخطاب إلى مادة اتهام. المصالحة التي قُدمت سابقًا كإنجاز للاستقرار، يعاد تصويرها اليوم كدليل على انحراف سياسي. هذا التناقض يوضح أن الإشكال لا يكمن في مضمون الخطوة، وإنما في معناها الاستراتيجي، أي خروج السعودية من نمط الاستقطاب الذي خدم أطرافًا بعينها داخل الإقليم.
ما يتشكل اليوم في واشنطن يعكس انتقال الصراع من مستوى السياسات إلى مستوى السرديات. الأدوات المستخدمة مألوفة، والاتهامات معروفة، والفاعلون ليسوا جددًا على هذا النوع من الحملات. الجديد يتمثل في أن الاستهداف يطال دولة كانت حتى وقت قريب تُقدَّم كركيزة للاستقرار الإقليمي، وهو ما يكشف حجم التحول في طبيعة الخلافات داخل الخليج.
النهاية المفتوحة لهذا المشهد لا تشير إلى قطيعة وشيكة، ولا إلى انقلاب في التحالفات، لكنها تكشف أن مرحلة جديدة بدأت، مرحلة يُستخدم فيها الضغط السياسي والإعلامي لتقليص هامش الحركة، وإعادة ضبط السلوك، وإرسال رسائل غير مباشرة. السعودية تُواجَه اليوم بسؤال أكبر من الاتهامات المطروحة: إلى أي مدى يُسمح لها بإدارة مصالحها خارج القوالب الجاهزة، ومن دون أن تُدفع ثمنًا سياسيًا في العواصم الغربية.