كفي الوقت الذي يحاول فيه الرئيس الأمريكي السابق، دونالد ترامب، استعراض موقفه “المتشدد” تجاه غزة، تبرز حالة من التصدع داخل المشهد السياسي الإسرائيلي، حيث يتزايد الإدراك بأن الحكومة الحالية عاجزة عن تحقيق أهدافها أمام صمود المقاومة الفلسطينية.

تصريحات ترامب التي هدّد فيها بفتح “أبواب الجحيم” على غزة لم تجد صدى حقيقيًا داخل الأوساط الإسرائيلية، التي تبدو منشغلة بموقف “حماس” أكثر من اهتمامها بأي دعم خارجي محتمل، مما يعكس مدى التراجع الاستراتيجي الإسرائيلي أمام المقاومة المسلحة.

ترامب يتوعد.. وإسرائيل منشغلة بحماس

جاءت تصريحات ترامب الأخيرة في سياق محاولاته لتبني موقف أكثر تشددًا تجاه غزة، حيث لوّح بإمكانية إلغاء وقف إطلاق النار في حال لم تفرج المقاومة عن جميع الرهائن بحلول ظهر السبت ثم عاد وأكد قائلا: أعتقد أن على حماس إطلاق سراح جميع الرهائن.

غير أن هذا التهديد لم يلقَ صدى حقيقيًا لدى صانعي القرار في تل أبيب، الذين يدركون أن فرض حلول عسكرية قد لا يكون في صالحهم في ظل المعادلات الميدانية القائمة.

بالمقابل، أعلنت الفصائل الفلسطينية التزامها ببنود اتفاق وقف إطلاق النار، مؤكدة أنها ستفرج عن ثلاثة رهائن يوم السبت، وهو ما يشير إلى أن قرارات المقاومة تأتي وفق حسابات دقيقة تخدم استراتيجيتها، وليس تحت ضغط تهديدات خارجية.

هذه الخطوة تكشف حجم النفوذ الذي تتمتع به حماس في المشهد الحالي، حيث تتحكم بمسار التفاوض وتفرض معادلاتها على الأرض، في حين تظل إسرائيل في موقف المتلقي وليس صاحب القرار.

انقسام داخلي وتآكل ثقة في حكومة الاحتلال

فيما يواصل ترامب إطلاق تصريحاته النارية، تشير تقارير إعلامية إسرائيلية إلى أن الفهم السائد داخل الأوساط الأمنية والسياسية في تل أبيب هو أن “حماس لن تتخلى عن سلاحها”، وهو ما يعكس حجم الإحباط الإسرائيلي بعد شهور من التصعيد العسكري دون تحقيق أي مكاسب ملموسة.

هذا الاعتراف الضمني بفشل الأهداف الإسرائيلية يضاف إليه تقرير آخر لهيئة البث الإسرائيلية، والذي كشف عن أن هناك قناعة متزايدة في إسرائيل بأنه “لا إمكانية للانتقال إلى المرحلة الثانية دون تفكيك الحكومة الحالية”، ما يعكس حجم الأزمة السياسية الداخلية التي تواجهها القيادة الإسرائيلية.

هذا التوجه يُظهر أن الداخل الإسرائيلي بات أكثر إدراكًا لحقيقة أن حكومته غير قادرة على فرض إرادتها على المقاومة، وأن الحديث عن “إضعاف حماس” لم يكن سوى دعاية إعلامية لا تمت للواقع بصلة.

فبدلاً من تنفيذ تهديدات حاسمة، تجد إسرائيل نفسها مضطرة للالتزام ببنود اتفاقات مع فصائل المقاومة، ما يعني عمليًا أن الطرف المتحكم في المشهد ليس تل أبيب، بل المقاومة الفلسطينية.

الهزيمة الاستراتيجية لإسرائيل أمام المقاومة

التحولات الأخيرة تُظهر بوضوح أن التهديدات الخارجية، سواء من واشنطن أو غيرها، لم تعد ذات تأثير فعلي على معادلات الصراع في غزة، حيث لم تلقَ تصريحات ترامب بشأن “أبواب الجحيم” أي اهتمام يُذكر داخل الدوائر الإسرائيلية.

بل إن تركيز القيادة الإسرائيلية انصبّ على موقف حماس، مما يؤكد أن إسرائيل باتت تدرك حدود قوتها، وأنها مضطرة للتعامل مع المقاومة وفق ميزان جديد من الردع المتبادل.

في ظل هذا المشهد، يبدو أن إسرائيل تمر بأزمة داخلية غير مسبوقة، حيث يتآكل الدعم الداخلي للحكومة، ويزداد الإحباط من فشلها في كسر إرادة المقاومة. وبينما يواصل ترامب إطلاق تهديداته، يبقى الميدان في غزة هو من يحدد القواعد، ويؤكد أن إسرائيل لم تعد قادرة على فرض شروطها كما كانت في السابق.

اقرأ أيضًا : الضفة الغربية تحت نيران الاحتلال: تهجير قسري ومقاومة متصاعدة وسط تواطؤ السلطة الفلسطينية