في تحرك مثير يعيد أجواء الحرب الباردة إلى نصف الكرة الغربي، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن “عملاً على الأرض في فنزويلا” قد يكون وشيكًا، في أخطر تهديد مباشر يوجهه تجاه حكومة نيكولاس مادورو منذ عودته إلى البيت الأبيض.

ورغم نفيه إرسال قاذفات استراتيجية للتحليق قرب أجواء فنزويلا، فإن تصريحاته فُسرت بأنها تمهيد لتحرك عسكري محدود تحت ذريعة “مكافحة تهريب المخدرات” و”القضاء على العصابات”.

واشنطن تمهد ميدان المواجهة

الولايات المتحدة كثّفت خلال الأسابيع الماضية من عملياتها العسكرية في البحر الكاريبي وشرق المحيط الهادئ، حيث نفّذت غارات جوية استهدفت ما وصفته بسفن تهريب مخدرات، وأسفرت –وفق البنتاغون– عن مقتل أكثر من 37 شخصًا.

لكن مراقبين يرون أن هذه العمليات ما هي إلا غطاء لتحشيد بحري واسع قبالة سواحل أمريكا الجنوبية، استعدادًا لعملية قد تتجاوز مكافحة التهريب لتطال النظام الفنزويلي نفسه.

من البحر إلى البر.. تحول في العقيدة الأميركية

حين قال ترامب: “نحن حتما ننظر إلى البر الآن، لأننا نسيطر على البحر جيدًا”, بدا وكأنه يُعلن انتقال استراتيجي في سياسة واشنطن تجاه فنزويلا، من السيطرة البحرية إلى التمدد البري.

هذا التحول يُنذر باحتمال تنفيذ عمليات محدودة داخل الأراضي الفنزويلية، بذريعة ضرب شبكات التهريب أو حماية الأمن القومي الأميركي، وهو ما قد يفتح الباب لمواجهة مباشرة مع قوات مادورو.

الاستخبارات في قلب المعركة

في موازاة التصعيد العسكري، كشف ترامب أنه سمح لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) بالعمل داخل فنزويلا لمكافحة المخدرات والهجرة غير النظامية.

لكن ما أثار الجدل هو اتساع نطاق التفويض الممنوح للوكالة ليشمل عمليات سرية داخل الأراضي الفنزويلية، في خطوة تُعدّ الأخطر منذ عقود، وتعيد إلى الأذهان تدخلات واشنطن السابقة في أمريكا اللاتينية لإسقاط أنظمة غير موالية لها.

ذرائع “المخدرات” وهدف إسقاط مادورو

رغم نفي بعض أجهزة الاستخبارات الأميركية وجود أدلة على تورط حكومة مادورو في شبكات تهريب المخدرات، إلا أن ترامب يواصل اتهامه للنظام الفنزويلي بأنه “يدير شبكة ضخمة للجريمة المنظمة”.

ويرى مراقبون أن واشنطن تستخدم ملف المخدرات ذريعة لتبرير تدخلها، تمامًا كما استخدمت شعار “محاربة الإرهاب” في الشرق الأوسط، ما يثير مخاوف من أن الهدف الحقيقي هو تغيير النظام في كراكاس.

صدى التهديدات في أمريكا اللاتينية

تحركات ترامب تثير قلق دول الجوار التي تخشى من اندلاع مواجهة إقليمية واسعة، خصوصًا أن فنزويلا ترتبط بتحالفات قوية مع روسيا وإيران وكوبا، ما قد يحول أي عملية أميركية إلى صراع متعدد الأطراف.

وفي المقابل، تسعى إدارة مادورو إلى استثمار الخطاب العدائي الأميركي لتعزيز تعبئة الداخل وشيطنة المعارضة الموالية لواشنطن، معتبرة تصريحات ترامب “إعلان حرب على السيادة الفنزويلية”.

ختامًا: تصعيد محسوب أم مغامرة جديدة؟

ما يجري اليوم يوحي بأن واشنطن تختبر حدود الصبر الفنزويلي، بينما يختبر ترامب قدرة خصومه على الردع في وقت يبحث فيه عن انتصار خارجي يعزز صورته داخليًا.

لكن أي خطأ في الحسابات قد يحول “العمل على الأرض” إلى مستنقع جديد للولايات المتحدة في أميركا اللاتينية، يعيد إلى الذاكرة كوابيس العراق وبنما وغرينادا.

هل يغامر ترامب بفتح جبهة جديدة في القارة التي لطالما اعتبرتها واشنطن “حديقتها الخلفية”؟

الأسابيع القادمة وحدها ستكشف ما إذا كانت التهديدات مجرد ضغط سياسي أم تمهيدًا لحرب حقيقية.

اقرأ أيضا:  ترامب وبلير.. وجهان لوصاية استعمارية جديدة على غزة