في موقف يعكس التحول الكامل في السياسة الأمريكية تجاه الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي منذ تولي دونالد ترامب الرئاسة مجددًا، أطلق الرئيس الأمريكي الثلاثاء تصريحات حادة ضد حركة “حماس”، متوعدًا بنزع سلاحها بالقوة في حال رفضت الاستسلام. وقال ترامب خلال مؤتمر صحفي جمعه بالرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي في البيت الأبيض:

“إذا لم يلقوا سلاحهم، فسننزعه، وسيحدث ذلك سريعًا وربما بعنف”.

هذه التصريحات جاءت بينما لا تزال المرحلة الثانية من “اتفاق غزة” الذي ترعاه واشنطن وقطر ومصر، تواجه تعثرًا واضحًا بعد فشل الاحتلال الإسرائيلي في استلام جميع جثامين قتلاه من قطاع غزة. ويؤكد المراقبون أن لهجة ترامب تمثل عودة إلى الخطاب العسكري الأمريكي التقليدي الذي يغلب عليه الانحياز الصريح لإسرائيل، بعيدًا عن ادعاءات “الوساطة” التي تحاول الإدارة الأمريكية التمسك بها شكليًا.

اتفاق غزة بين التعهدات المعلنة والواقع الميداني

كان من المفترض أن تشهد المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة استكمال تبادل الجثامين والأسرى، بعد أن أفرجت “حماس” عن العشرين إسرائيليًا الأحياء الاثنين الماضي، وسلمت جثامين أربعة آخرين.

لكن ترامب كتب على منصته “تروث سوشال” منشورًا قال فيه:

“لم يتم الوفاء بالوعد الذي قُطع بإعادة جميع الجثث… المرحلة الثانية تبدأ الآن، لكن المهمة لم تنته بعد”.

التصريح أثار موجة من الجدل، خاصة أن الاتفاق، بحسب الوسطاء، ما زال قائمًا ويُنفذ على مراحل بسبب التعقيدات الميدانية داخل غزة التي تعرضت لدمار واسع، ما يجعل استخراج الجثث من تحت الركام مهمة معقدة وطويلة.

وبينما يطالب ترامب حماس بالإسراع في التسليم “وفق الجدول الأمريكي”، يرى محللون أن الرئيس الأمريكي يسعى إلى توظيف الملف لصالح حملته السياسية، مستعرضًا صورة “القائد الحازم” الذي يعيد الإسرائيليين إلى بلادهم، في محاولة لاستعادة تأييد القاعدة الإنجيلية واللوبي الإسرائيلي بعد الانتقادات التي طالته في بداية الحرب.

نتنياهو يحاول إنقاذ صورته الداخلية

في إسرائيل، حاول رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو استثمار التطورات لصالحه داخليًا، بعد أن تصاعدت الانتقادات ضده من عائلات الأسرى بسبب “تباطؤ” حكومته في استعادة ذويهم.

وخلال زيارته مساء الثلاثاء لعدد من الأسرى المفرج عنهم في مستشفى “بيلنسون” قرب تل أبيب، قال نتنياهو:

“وعدت بإعادتهم، وأعدناهم… وسنفعل كل ما بوسعنا لإعادة القتلى”.

لكن هذه التصريحات لم تُخفِ حجم القلق داخل الأوساط الإسرائيلية، إذ أكدت تقارير محلية أن جثامين 24 إسرائيليًا ما زالت داخل غزة، وأن بعضهم في مناطق دمرها القصف الإسرائيلي نفسه.

وبينما يصر نتنياهو على استمرار “العمليات الأمنية المحدودة” داخل القطاع، تشير مصادر عسكرية إلى أن الجيش بات عاجزًا عن فرض أي وجود فعلي داخل غزة، خصوصًا في ظل الانتشار المنظم لعناصر المقاومة.

حماس: “تسليم تدريجي تحت إشراف الوسطاء”

في المقابل، أكد قيادي في حركة “حماس” لوكالة “فرانس برس” أن الحركة أبلغت الوسطاء بأنها ستسلم جثامين “أربعة إلى ستة” من الأسرى الإسرائيليين في الساعات المقبلة، في إطار استمرار تنفيذ الاتفاق.

وأوضح أن الأمر “يحتاج وقتًا بسبب الظروف الميدانية والدمار الكبير الذي خلفه الاحتلال”، مشيرًا إلى أن المقاومة ملتزمة بما تم التوافق عليه لكنها ترفض “الضغوط السياسية والإعلامية الأمريكية-الإسرائيلية”.

في الوقت ذاته، أعلنت “كتائب القسام” – الجناح العسكري للحركة – أنها سلمت بالفعل جثامين أربعة إسرائيليين هم: غاي إيلوز، يوسي شرعبي، بيفين جوشي، ودانيال بيريز، ضمن المرحلة الأولى.

وفي المقابل، أفرج الاحتلال عن 250 أسيرًا فلسطينيًا محكومين بالمؤبد، إضافة إلى 1718 أسيرًا من قطاع غزة اعتقلوا بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، معظمهم دون محاكمات.

الصليب الأحمر في الميدان.. واتساع الفجوة الإنسانية

أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي مساء الثلاثاء أن طواقم الصليب الأحمر الدولي في طريقها إلى شمال غزة لتسلم جثامين الإسرائيليين، مؤكّدًا أن العملية تتم بالتنسيق الكامل مع المقاومة عبر الوسطاء.

وقال المتحدث العسكري أفيخاي أدرعي عبر منصة “إكس”:

“طواقم الصليب الأحمر في طريقها إلى نقطة التقاء في شمال قطاع غزة لتسلّم عدد من التوابيت التي تعود إلى مختطفين”.

ويشير هذا التنسيق إلى أن “اتفاق غزة” لا يزال فعّالًا رغم محاولات واشنطن وتل أبيب تصويره كاتفاق هش أو منقوص.

في المقابل، يرى مراقبون أن تصريحات ترامب وتهديداته تشكل ضغطًا سياسيًا يهدف إلى دفع المقاومة لتقديم تنازلات إضافية دون التزام مماثل من الاحتلال، خاصة في ظل رفض إسرائيل توسيع الاتفاق ليشمل وقفًا دائمًا لإطلاق النار أو خطة لإعادة الإعمار.

الولايات المتحدة.. دعم غير مشروط للاحتلال

منذ اندلاع العدوان الإسرائيلي على غزة في أكتوبر 2023، حافظت الإدارة الأمريكية على موقف داعم بالكامل لتل أبيب سياسيًا وعسكريًا.

وتُعد تصريحات ترامب الأخيرة استمرارًا لنهج “الغطاء الأمريكي” للاحتلال، إذ سبق أن أعلن البيت الأبيض خلال الأسابيع الماضية أن واشنطن “ستدافع عن حق إسرائيل في الرد الكامل”، بينما واصلت تزويدها بالأسلحة والذخائر.

ويرى محللون أن واشنطن لا تتعامل مع “اتفاق غزة” بوصفه خطوة نحو إنهاء الحرب، بل كأداة لإعادة تأهيل صورة الاحتلال دوليًا وتثبيت نفوذه داخل القطاع تحت ذريعة “ضمان الأمن ومنع تسلح حماس”.

في حين تعتبر المقاومة أن هذه المواقف تكشف نفاق الخطاب الأمريكي، الذي يطالبها بتسليم الجثامين والأسرى بينما يغضّ الطرف عن جرائم الاحتلال المستمرة.

خاتمة: اتفاق هش وواقع متفجر

بين تهديدات ترامب ومحاولات نتنياهو تحسين صورته، يبقى اتفاق غزة في مهب الريح، رهينة الضغوط الأمريكية والمناورات الإسرائيلية.

أما المقاومة الفلسطينية، فهي تحاول الموازنة بين تنفيذ الاتفاق والحفاظ على ما تعتبره “كرامة الأسرى وحقوق الشهداء”، في ظل استمرار الحصار والدمار الواسع.

ومع دخول الملف الإنساني مرحلة جديدة عنوانها “جثامين مقابل تصريحات انتخابية”، تبدو واشنطن وتل أبيب عازمتين على تحويل مشهد ما بعد الحرب إلى معركة نفوذ سياسية، بينما يبقى الشعب الفلسطيني وحده من يدفع ثمن “السلام الأمريكي” المسلّح.

اقرأ أيضًا : السيسي أهدر شريان الحياة.. وإثيوبيا تتهم القاهرة بالسعي للهيمنة على مياه إفريقيا