كشفت تسجيلات صوتية حصلت عليها شبكة الجزيرة عن واحدة من أكثر اللحظات إحراجًا في تاريخ النظام السوري المخلوع، بعدما أظهرت محاولة قائد “القوات الخاصة” السابق سهيل الحسن إقناع من اعتقد أنه ضابط إسرائيلي بدعم تحرك يقوده داخل سوريا. 

التسجيلات، التي وُصفت بأنها شديدة الحساسية، لا تكتفي بفضح تواصل سري مع عدو لطالما ادعى النظام معاداته، بل تكشف أيضًا حجم الانهيار الأخلاقي والسياسي داخل بنية الحكم، وتعرّي الخطاب المزدوج الذي حكم سلوك رجاله لسنوات.

تودد لإسرائيل وإشادة بجرائم غزة

في التسجيلات، بدا سهيل الحسن وهو يُظهر إعجابًا صريحًا بالعمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة، في مفارقة صادمة تتناقض جذريًا مع الدعاية الرسمية التي طالما تبنّاها النظام البائد حول “الممانعة” و”المقاومة”. هذا الإعجاب، وفق مضمون التسجيلات، لم يكن عابرًا أو تقنيًا، بل جاء في سياق تودد سياسي–أمني، سعى من خلاله الحسن إلى بناء “ثقة” مع الطرف الذي ظنّه ضابطًا إسرائيليًا، تمهيدًا لطلب دعم لتحرك داخلي يعيد ترتيب موازين القوة في سوريا.

هذا الخطاب يعكس منطقًا نفعيًا فجًّا: حين تتقاطع المصالح، تسقط الشعارات. فالرجل الذي قُدِّم إعلاميًا لسنوات كأحد “أبطال النظام” لا يجد حرجًا في الإشادة بعمليات عسكرية طالما أدانها السوريون بوصفها جرائم حرب، طالما أن ذلك قد يفتح له بابًا للدعم الخارجي.

اعتراف بإجرام الأسد… بعد فوات الأوان

الأكثر دلالة في التسجيلات هو حديث سهيل الحسن عن إجرام رأس النظام ورجاله، في إشارة واضحة إلى بشار الأسد والدائرة الأمنية–العسكرية المحيطة به. هذا الاعتراف، وإن بدا متأخرًا، يكشف أن كثيرًا من قادة النظام البائد كانوا يدركون طبيعة الجرائم المرتكبة بحق السوريين، لكنهم استمروا في تنفيذها ما دامت تضمن بقاءهم ونفوذهم.

هنا لا يمكن قراءة كلام الحسن باعتباره “صحوة ضمير”، بل أقرب إلى محاولة تبرؤ انتقائية بعد انهيار المنظومة التي وفّرت له الغطاء. فالاعتراف بالإجرام جاء في سياق البحث عن دعم خارجي، لا في إطار مساءلة أو اعتذار للضحايا. وهو ما يعكس ذهنية ترى في الجرائم أوراق تفاوض، لا خطايا تستوجب المحاسبة.

سقوط سردية “الممانعة”

تكشف التسجيلات مرة أخرى أن سردية “الممانعة” التي روّج لها النظام السوري الذي سقط على يد الثوار لعقود لم تكن سوى أداة داخلية للضبط والسيطرة. فحين ضاقت الخيارات، لم يتردد أحد أبرز قادته العسكريين في طرق باب إسرائيل، بل والإشادة بعملياتها، أملاً في دور إقليمي جديد. هذا السلوك ينسف الخطاب الرسمي من جذوره، ويؤكد أن العداء المُعلن لم يكن سوى قناع سياسي.

كما تضع التسجيلات حلفاء النظام السابق أمام سؤال أخلاقي حرج: كيف دافعوا عن نظام يتواصل قادته سرًا مع خصومه، بينما يواصل قمع شعبه علنًا؟ وكيف يمكن تبرير سنوات من القتل والتدمير تحت شعار “المقاومة”، إذا كان رجاله مستعدّين لعقد الصفقات عند أول اختبار وجودي؟

الثورة السورية في مواجهة الحقيقة

في المقابل، تُعيد هذه التسجيلات الاعتبار لسردية الثورة السورية التي وصفت النظام، منذ بداياتها، بأنه سلطة قائمة على العنف والانتهازية لا على المبادئ. فالثورة، التي “دحرت” منظومة الأسد ورجاله كما ورد في مضمون التسجيلات، لم تكن تمرّدًا عابرًا، بل ردًّا على بنية حكم لا تتردد في خيانة شعاراتها وشعبها معًا.

إن اعترافات الحسن، وإن جاءت من موقع الانكسار، تُضاف إلى سجل طويل من الأدلة التي تثبت أن نظام بشار لم يكن يومًا في موقع الدفاع عن القضايا العادلة، بل في موقع توظيفها. وهو ما يفسّر حجم التناقض بين الخطاب والممارسة، وبين الشعارات المرفوعة والصفقات السرية.

دلالات سياسية وأمنية

سياسيًا، تفتح هذه التسجيلات باب التساؤل حول حجم الاتصالات السرية التي جرت بعيدًا عن الأضواء، وحول الأطراف الإقليمية والدولية التي استُخدمت كقنوات خلفية. وأمنيًا، تكشف هشاشة الولاءات داخل المنظومة العسكرية، حيث يمكن لقائد بارز أن ينقلب على خطاب النظام بحثًا عن نجاة شخصية.

في المحصلة، لا تمثل تسجيلات الجزيرة مجرد فضيحة فردية، بل مرآة لمرحلة كاملة من الانحطاط السياسي. مرحلة سقطت فيها الأقنعة، وبات واضحًا أن من تلطخت أيديهم بالدماء لم يترددوا في تبديل المواقف، طالما أن ذلك قد يمنحهم فرصة جديدة على حساب الحقيقة والعدالة.

اقرأ أيضًا : محور الفوضى المقنّعة: كيف تقود الإمارات الانقلابات من شمال أفريقيا إلى الخليج