بينما تستمر حرب الإبادة في قطاع غزة، تشهد الساحة الأكاديمية الأوروبية والأمريكية تصعيدًا غير مسبوق في مقاطعة الجامعات الإسرائيلية، ما يعكس تغيرًا جذريًا في مواقف المؤسسات العلمية تجاه الاحتلال، ويؤشر إلى أزمة آخذة في التعمق داخل إسرائيل على مستوى صورتها الخارجية وشبكاتها البحثية الدولية.

أرقام صادمة تكشف عزلة الجامعات الإسرائيلية

في تطور لافت، كشفت لجنة رؤساء الجامعات في إسرائيل عن رصد أكثر من 750 حالة مقاطعة مثبتة طالت الجامعات والباحثين الإسرائيليين منذ اندلاع العدوان على غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، مؤكدة أن وتيرة هذه الحالات تتسارع بشكل واضح منذ مارس الماضي، بعد استئناف العمليات العسكرية.

وحسب اللجنة، تنوّعت أشكال المقاطعة بين حالات “محدودة” تمثلت في رفض نشر الأبحاث في دوريات علمية أو سحب منح كانت قد قُدّمت، وبين مقاطعات شاملة من جامعات ومنظمات أكاديمية أعلنت قطع التعاون كليًا مع إسرائيل. ويصف مراقبون هذا التصعيد بأنه “ضربة مباشرة” لقطاع البحث العلمي في دولة الاحتلال، الذي لطالما اعتُبر أداة للنفوذ الناعم والتأثير الدولي.

صحيفة هآرتس العبرية أكدت أن عشرات الجامعات الأوروبية أعلنت رسميًا قطع علاقاتها مع المؤسسات الإسرائيلية. وأوضح عمانوئيل نحشون، مدير وحدة مكافحة المقاطعة الأكاديمية التابعة للجنة رؤساء الجامعات، أن 80% من المؤسسات الأكاديمية في هولندا، ومعظم الجامعات في بلجيكا، انضمت إلى حملة المقاطعة، بالإضافة إلى مؤسسات في إسبانيا والنرويج، وبعض الحالات في إيطاليا وإيرلندا وسويسرا.

وبحسب نحشون، فإن ما وصفه بـ”الفيروس الأكاديمي” ينتشر في أوروبا الغربية منذ أكثر من عام، لكنه بلغ ذروته بعد استئناف الهجمات الإسرائيلية على غزة في مارس، عقب فترة من التهدئة.

“المقاطعة الرمادية”.. العزلة الصامتة تتسلل

إلى جانب المقاطعة المعلنة، ظهرت ظاهرة جديدة أطلقت عليها لجنة رؤساء الجامعات اسم “المقاطعة الرمادية”، تتمثل في تجاهل الباحثين الأوروبيين لنظرائهم الإسرائيليين، والامتناع عن الرد على الرسائل أو تجديد الشراكات. هذا التجاهل الصامت يضع الجامعات الإسرائيلية في موقف بالغ الصعوبة، خاصة في برامج التعاون الدولي.

برنامج “هورايزون” الأوروبي، أحد أبرز برامج دعم الأبحاث عالميًا، منح فقط 9 باحثين إسرائيليين من أصل 100 مقترح قُدمت مؤخرًا. وهو تراجع حاد مقارنة بنسبة نجاح كانت تبلغ 29% قبل خمس سنوات، وأصبحت الآن 9% فقط.

وصرّح البروفيسور نوعام سوبيل، من معهد وايزمان وعضو مجلس البحوث الأوروبي، بأن هذا الانخفاض يعكس “مقاطعة صامتة” تحكمها دوافع سياسية وأخلاقية، قائلاً: “نُعتبر اليوم بمثابة ورقة حمراء في أوروبا، والناس يتأثرون بالصور والأنباء القادمة من غزة”.

نائبة رئيس جامعة تل أبيب للعلاقات الدولية، البروفيسورة ميلت شمير، أشارت إلى أن المقاطعة التي كانت سابقًا مركّزة في أمريكا، انتقلت بقوة إلى أوروبا منذ مارس الماضي، حيث تتلقى الجامعة ما بين 7 و10 تقارير أسبوعيًا عن حالات مقاطعة، وهو عدد يفوق بثلاثة أضعاف ما كان عليه الحال قبل عام واحد فقط.

انهيار الخطاب الإسرائيلي.. الجامعات تفقد نفوذها الناعم

واحدة من أبرز مؤشرات هذا التحول الجذري، هو تآكل “الرسالة الإسرائيلية الناعمة” التي طالما كانت الجامعات الإسرائيلية تُصدرها للعالم الغربي. فهذه المؤسسات لعبت دورًا مهمًا في تسويق إسرائيل كـ”دولة علم وتقدم وتكنولوجيا”، لتخفيف آثار الجرائم التي ترتكبها عسكريًا.

لكن، ومع استمرار المجازر ضد المدنيين في غزة، وخاصة مشاهد قتل الأطفال عند مراكز المساعدات، لم تعد هذه الصورة تنطلي على الأكاديميين الغربيين، بل أصبحت المؤسسات التعليمية نفسها في مرمى الانتقادات.

البروفيسور دانيال حايموفيتش، رئيس لجنة رؤساء الجامعات ورئيس جامعة بن غوريون، وصف المشهد بدقة حين قال إن المقاطعة الأكاديمية باتت أشبه بفيروس ينتشر بسرعة، ويصعب احتواؤه، فيما أشار رئيس جامعة تل أبيب أريئيل بورات إلى أن الحكومة الإسرائيلية تقلل من خطورة هذه المقاطعة وكأنها شأن ثانوي، رغم أن “العلوم عنصر أساسي للأمن والاقتصاد”.

وأكد بورات أن استبعاد إسرائيل من برنامج “هورايزون” يشكل “ضربة موجعة” للبحث العلمي، ليس فقط من حيث التمويل، بل من ناحية العزلة العلمية الدولية التي ستتفاقم لاحقًا وتنعكس على الأمن القومي نفسه.

هل تفقد إسرائيل بوصلتها الأكاديمية؟

ما يحدث الآن لا يبدو مجرد موجة غضب عابرة، بل تحول منهجي في مواقف المؤسسات الغربية تجاه الاحتلال الإسرائيلي، مدفوعة بوعي جماهيري متزايد بمأساة غزة، وتراجع قدرة اللوبيات الصهيونية على التحكم في الرواية داخل الأوساط الأكاديمية.

فمع توالي صور الجثث والمجازر، باتت القيم الأخلاقية التي تتبناها الجامعات الغربية تتصادم علنًا مع استمرار التعاون مع مؤسسات تُعدّ شريكًا في سياسات الاحتلال، ما يعيد تشكيل البيئة الأكاديمية عالميًا.

وإذا استمر الصمت الرسمي الإسرائيلي على هذا الانهيار الأكاديمي، فإن ما تبقى من نفوذها في الجامعات قد يتحول إلى عزلة شاملة تُضعف “الابتكار الإسرائيلي”، وتُفقده مصدرًا مهمًا من مصادر القوة الناعمة والتأثير العالمي.

خاتمة: انكشاف الأكاذيب

إن تصاعد المقاطعة الأكاديمية الغربية لإسرائيل يكشف هشاشة السردية الإسرائيلية التي لطالما روّجت لتقدّمها الأخلاقي والعلمي. اليوم، يتحدث العلم الأوروبي والأمريكي بلغة الأخلاق، ويبدو أن الاحتلال بات يُعامل كما يُعامل نظام الفصل العنصري سابقًا، أو الدول المنبوذة عالميًا. 

وإذا لم تتغير السياسات الإسرائيلية، فإن المقاطعة قد تتحول من قطاع التعليم إلى قطاعات أخرى، لتشكل نقطة تحوّل تاريخية في العزلة الدولية للاحتلال.

اقرأ أيضًا : كمين عبسان الكبير.. ضربة قاسية تهز لواء غولاني في خانيونس