تواصلت الاعتداءات الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة، لتؤكد أن الاحتلال ماضٍ في مخططاته الاستيطانية والتهويدية دون رادع، وسط صمت رسمي فلسطيني متواطئ، تجسده مواقف رئيس السلطة محمود عباس الذي يكتفي بالإدانة اللفظية في وقت تتسع فيه رقعة الجرائم على الأرض. 

يوم الاثنين شهدت الضفة سلسلة اقتحامات ومواجهات وهجمات استيطانية في مشهد يعكس انهيار منظومة الأمن الفلسطينية أمام عربدة جيش الاحتلال والمستوطنين.

الاحتلال والمستوطنون يوسّعون رقعة العدوان

شهدت مناطق متفرقة من الضفة الغربية اقتحامات وعمليات هدم وهجمات استيطانية ممنهجة. ففي طولكرم، اندلعت مواجهات عنيفة بين شبان فلسطينيين وقوات الاحتلال خلال اقتحام بلدة عنبتا، بينما اقتحمت قوة راجلة إسرائيلية الحي الشرقي من جنين، حيث دوّت أصوات الرصاص وقنابل الصوت طوال ساعات الصباح. وفي القدس المحتلة، أغلقت قوات الاحتلال مداخل بلدة حزما شمال شرقي المدينة بعد تعرض حافلة للمستوطنين للرشق بالحجارة، في خطوة عقابية جماعية تطال المدنيين المقدسيين.

وفي موازاة ذلك، أعلنت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان أن سلطات الاحتلال أصدرت خمسة أوامر عسكرية جديدة تقضي بالاستيلاء على أكثر من 73 دونماً من أراضي الفلسطينيين في محافظة رام الله والبيرة بذريعة “الأغراض الأمنية”، بينما كشفت الهيئة أن الاحتلال أقام منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 نحو 30 منطقة عازلة جديدة حول المستوطنات، في محاولة لفرض وقائع ميدانية دائمة، تُقزّم المساحات الفلسطينية وتقطع أوصال المدن والقرى.

وفي الجنوب، واصل المستوطنون إرهابهم المنظم في مسافر يطا جنوب الخليل، حيث شقوا طريقاً استيطانياً جديداً بين قريتي المفقرة وشعب البطم، تمهيداً لتوسيع المستوطنات المحيطة. كما شهدت بلدة السموع اعتداءً وحشياً على منزل عائلة فلسطينية في منطقة واد جحيش، إذ أطلق المستوطنون قنابل الغاز داخل المنزل وأحرقوا مركبة خاصة وحظيرة أغنام، مما أدى إلى إصابة خمسة من أفراد العائلة بحالات اختناق.

سياسة الهدم والتهجير: عقاب جماعي بأوامر عسكرية

لم تقتصر الجرائم على الاقتحامات، بل امتدت إلى سياسة هدم المنازل التي يستخدمها الاحتلال كأداة لعقاب جماعي وتهجير قسري. فقد هدمت جرافات الاحتلال خمسة منازل وغرفاً زراعية في محافظات قلقيلية ونابلس وسلفيت وأريحا، بدعوى “البناء دون ترخيص” في مناطق مصنفة (ج) وفق اتفاق أوسلو، الذي منح الاحتلال اليد العليا في أكثر من 60% من أراضي الضفة.

في بلدة الفندق شرقي قلقيلية، سوّت الجرافات منزلين بالأرض، بينما طالت الجرافات منزلين آخرين في مرج غزال شرق أريحا، ومنزلاً في فروش بيت دجن شرقي نابلس، وغرفة زراعية في دير بلوط غرب سلفيت. أما في الرام شمال القدس، فقد أعلن الهلال الأحمر الفلسطيني إصابة شاب برصاص الاحتلال، في حين سجلت حالات اختناق عدة جنوب الخليل بفعل اعتداءات المستوطنين.

وفي مشهد يعكس وحشية مفرطة، اعتقلت قوات الاحتلال فلسطينياً من ذوي الإعاقة خلال اقتحامها بلدة بيت أمر شمال الخليل، بعد أن أطلقت الرصاص المعدني وقنابل الغاز على المواطنين الذين حاولوا التصدي للاقتحام. وتؤكد هذه الحوادث أن ما يجري في الضفة ليس مجرد “اشتباكات متفرقة”، بل سياسة متكاملة تهدف لتفريغ الأرض من أهلها تحت غطاء “الأمن” الزائف.

أرقام صادمة.. وعباس الغائب الحاضر

بحسب هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، نفذ المستوطنون منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 أكثر من 7 آلاف اعتداء على الفلسطينيين، أسفرت عن استشهاد 33 فلسطينياً وتهجير 33 تجمعاً بدوياً، فيما أقاموا أكثر من 114 بؤرة استيطانية جديدة. وخلال الفترة نفسها، قُتل أكثر من ألف فلسطيني وأصيب نحو 10 آلاف آخرين، واعتُقل أكثر من 20 ألف شخص بينهم 1600 طفل، في ظل صمت رسمي فلسطيني ودولي يعكس تواطؤاً مفضوحاً.

ورغم هذا النزيف المستمر، يواصل محمود عباس التمسك بخيار التنسيق الأمني مع الاحتلال، مُغرقاً أجهزة السلطة في مطاردة المقاومين بدل حمايتهم. فبينما تجتاح جرافات الاحتلال المدن الفلسطينية وتُهدم المنازل فوق أصحابها، تُصدر أجهزة السلطة بيانات باهتة عن “التمسك بالمقاومة الشعبية السلمية”، في وقت تُعتقل فيه أصوات المقاومة من جنين إلى نابلس بأوامر تنسيق مباشر.

ويرى مراقبون أن عباس بات جزءاً من منظومة السيطرة الإسرائيلية على الضفة الغربية، إذ تُستخدم السلطة كواجهة مدنية لإدارة الشؤون اليومية للفلسطينيين دون أن تملك أي قرار سيادي. فبدلاً من دعم صمود القرى في وجه الاستيطان، يتعامل عباس مع المقاومة كتهديد سياسي لسلطته، متجاهلاً أن التنسيق الأمني لم يحقق سوى تكريس الاحتلال وتقويض الحلم الوطني الفلسطيني.

خاتمة: الضفة على فوهة بركان

ما يجري اليوم في الضفة الغربية ليس تصعيداً عابراً بل حرب استنزاف بطيئة تهدف إلى محو الهوية الفلسطينية عبر أدوات مزدوجة: احتلال مباشر واستيطان زاحف من جهة، وسلطة عاجزة بل متواطئة من جهة أخرى. وبينما تتصاعد اعتداءات المستوطنين تحت حماية الجيش، تواصل حكومة الاحتلال بقيادة نتنياهو تنفيذ مخطط “الضم الزاحف” بدعم أمريكي وصمت عربي.

في المقابل، يعيش الشارع الفلسطيني حالة غليان متصاعدة قد تنفجر في أي لحظة على شكل انتفاضة جديدة تُعيد الصراع إلى مربعه الحقيقي: شعبٌ يقاوم الاحتلال في مواجهة منظومة خيانة وتطبيع وتواطؤ. أما محمود عباس، فسيبقى رمزاً لمرحلة سوداء في التاريخ الفلسطيني — مرحلة اختار فيها أن يكون حارساً للاحتلال بدل أن يكون قائدًا للتحرير.

اقرأ أيضًا : إجرام الاحتلال: جيش إسرائيل يتحول إلى درع يحمي مستوطني الضفة