في مشهد يعكس تواطؤ المؤسسة العسكرية الإسرائيلية مع جماعات المستوطنين المتطرفين، كشفت صحيفة معاريف العبرية عن تفاهمات غير رسمية بين الجيش الإسرائيلي وما يُعرف بـ”شبان التلال”، تتيح للمستوطنين مواصلة اعتداءاتهم ضد الفلسطينيين مقابل تجنب المواجهة مع الجنود. هذه “الصفقات الميدانية” – كما وصفتها الصحيفة – تؤكد أن الاحتلال لا يكتفي بممارسة العنف عبر جيشه، بل يوفر الغطاء والحماية للعنف الأهلي الذي ينفذه المستوطنون.

تفاهمات تحت الطاولة: الجيش يحمي الفوضى
بحسب تقرير معاريف الذي أعده المراسل العسكري آفي أشكنازي، فإن جماعات “شبان التلال” – وهي مجموعات استيطانية متطرفة تنتمي إلى اليمين الديني – أصبحت بمثابة “قوة شبه عسكرية” تعمل بالتنسيق الضمني مع الجيش. ورغم أن المؤسسة العسكرية تصفها في العلن بأنها “فوضوية وخارجة عن السيطرة”، فإن شهادات لجنود احتياط أظهرت أن هناك تفاهمات ميدانية تتيح بقاء هذه الجماعات في البؤر الاستيطانية غير القانونية، مع حصولها على الماء والكهرباء والدعم اللوجستي، مقابل التزامها بعدم مهاجمة الجيش والاكتفاء بمهاجمة الفلسطينيين.
وتشير معاريف إلى أن هذه التفاهمات تشكل ما يشبه “اتفاقًا غير مكتوب” بين الجيش والمستوطنين، هدفه الحفاظ على الهدوء داخل المعسكر الإسرائيلي، حتى وإن كان الثمن المزيد من الاعتداءات على الفلسطينيين العُزّل في القرى والمزارع. وقد أكدت مصادر في القيادة المركزية للجيش أن الأخيرة “تدرك تصاعد أعمال العنف خلال موسم قطف الزيتون”، إذ تتكرر الهجمات على المزارعين الفلسطينيين، وتشمل الضرب والإحراق والنهب والتهجير.
وفي عطلة نهاية الأسبوع وحدها، سجلت المؤسسة الأمنية أكثر من عشر حالات اعتداء خطيرة في مناطق متعددة من الضفة، شملت حرق سيارات، واقتلاع أشجار زيتون، ومهاجمة عائلات أثناء عملها في الأراضي الزراعية. ومع أن الشرطة أعلنت اعتقال ستة مستوطنين، فإن الصحيفة كشفت عن خطط للجيش لإصدار “أوامر تقييد محدودة” فقط بحق بعضهم، في محاولة لتخفيف الانتقادات الدولية دون المساس بجوهر التحالف غير المعلن مع المستوطنين.
استسلام عسكري ونفوذ سياسي
يقول أحد ضباط الاحتياط لـمعاريف إن ما يجري هو “استسلام فعلي من الجيش أمام المستوطنين”، حيث باتت القيادة العسكرية عاجزة عن فرض القانون في وجه جماعات تحظى بدعم مباشر من وزراء في الحكومة الإسرائيلية، لا سيما المنتمين إلى التيار الديني القومي. ويضيف أن المستوطنين المتطرفين أصبحوا “جزءًا من المنظومة الأمنية” بحكم الأمر الواقع، إذ يتلقون تسهيلات لوجستية وتغطية ميدانية في كل تحركاتهم.
ويؤكد التقرير أن الجيش عقد في الماضي والحاضر تفاهمات غير مكتوبة مع هؤلاء المستوطنين، تضمن لهم حماية ضمنية داخل البؤر غير القانونية، وتغض الطرف عن أنشطتهم العدوانية، ما داموا لا يهاجمون الجنود. وبهذا، لم يعد الاحتلال الإسرائيلي مجرد سلطة عسكرية تمارس القمع المباشر، بل بات الراعي الرسمي لإرهاب المستوطنين.
وتشير تقديرات المؤسسة الأمنية إلى أن “النواة الصلبة” لهؤلاء المتطرفين لا تتجاوز 60 شخصًا فقط، لكن تأثيرهم يمتد إلى مئات آخرين في مختلف البؤر الاستيطانية المنتشرة في الضفة. ويصفهم التقرير بأنهم “الشباب الأناركيون” الذين يتبنون أيديولوجية عنصرية فوضوية، ويعتبرون الفلسطينيين أعداء دينيين يجب طردهم من الأرض.
نتائج خطيرة: تحالف يهدد الفلسطينيين والنظام العسكري
يرى ضباط احتياط تحدثوا للصحيفة أن هذا التواطؤ يشكل خطرًا إستراتيجيًا مزدوجًا. فمن جهة، يضاعف الاعتداءات ضد الفلسطينيين ويزيد من توتر الضفة، ومن جهة أخرى، يهدد انضباط الجيش نفسه، إذ بات بعض الجنود يتعاملون مع المستوطنين كـ”حلفاء أيديولوجيين”، ما يفقد المؤسسة العسكرية قدرتها على فرض القانون داخل مناطق سيطرتها.
ويضيف أحد المصادر الأمنية أن بعض الجنود يرون في المستوطنين نموذجًا دينيًا وقوميًا يحتذى به، وهو ما يخلق “تشويشًا خطيرًا في العقيدة القتالية” للجيش، الذي يفترض أن يلتزم بالقانون والتعليمات، لا بالإيمان الديني أو الولاء السياسي. بهذا، تتحول الضفة الغربية إلى ساحة مزدوجة للعنف، يمارسه الاحتلال رسميًا عبر الجيش، وشبه رسميًا عبر أذرعه الاستيطانية.
ويحذر مراقبون من أن هذه السياسات تمهد لتكريس “سيادة المستوطنين” على الأرض، بحيث يصبح الجيش الإسرائيلي مجرد أداة لتنظيم حركة العنف بدلاً من ردعها. في المقابل، يعيش الفلسطينيون حالة حصار يومي، إذ يتعرضون للتهديد من الطرفين: المستوطنون الذين يهاجمونهم في أراضيهم، والجيش الذي يمنعهم من الدفاع عن أنفسهم.
خاتمة: إجرام ممنهج بغطاء رسمي
ما كشفته معاريف لا يقتصر على اعتراف بخطر داخلي يهدد الانضباط العسكري، بل يكشف عن الوجه الحقيقي للاحتلال الإسرائيلي، الذي دمج بين عنف الدولة وعنف المستوطنين في منظومة واحدة. فالجيش الذي يفترض أن يفرض القانون، بات شريكًا في الجريمة، يمد المستوطنين بالماء والكهرباء، ويمنحهم الحماية مقابل استمرار اعتداءاتهم ضد الفلسطينيين.
بهذا المعنى، لم تعد الجرائم التي تُرتكب في الضفة مجرد تجاوزات فردية، بل سياسة ممنهجة يشارك فيها الجيش والمستوطنون والحكومة على حد سواء، في مشهد يؤكد أن الاحتلال فقد آخر أقنعته الأخلاقية، وأن ما يجري هو “إجرام منظم تحت راية الدولة”.
اقرأ أيضًا : خليل الحية: لا تحفظ على إدارة وطنية لغزة.. والسلاح رهن بقاء الاحتلال