في خطوة وصفتها الأوساط الحقوقية والسياسية بأنها حكم بـ”الإعدام سجناً”، أصدرت الدائرة الجنائية المختصة بالنظر في قضايا الإرهاب بالمحكمة الابتدائية بتونس أحكاماً قضائية مغلظة وقاسية جداً في ما يُعرف إعلامياً بـ”قضية الجهاز السري لحركة النهضة”. 

وقضت المحكمة بالسجن مدى الحياة بالإضافة إلى 30 عاماً سجناً بحق رئيس الحركة المفكر ورئيس البرلمان الشرعي السابق راشد الغنوشي، ليرتفع إجمالي الأحكام الصادرة بحقه إلى 106 سنوات سجناً بجانب المؤبد. وشملت الأحكام الجائرة 35 متهماً من قيادات الحزب؛ حيث نال نائبه علي العريض حكماً بالسجن لـ 42 عاماً، ومصطفى خذر 96 عاماً، مع أحكام بالمؤبد وعشرات السنوات لفتحي البلدي، ورضا الباروني، وعبد العزيز الدغسني، وآخرين.

ويرى مراقبون ومحللون سياسيون أن هذه الأحكام الصادمة والصادرة في جلسات سرية، لا يمكن فصلها عن المسار الديكتاتوري الشمولي الذي يقوده الرئيس قيس سعيّد منذ انقلابه على الدستور والمؤسسات الشرعية؛ حيث تحول القضاء التونسي في عهده إلى “أداة تنكيل سياسي” وسيف مصلط لتصفية الخصوم، وملاحقة قادة المعارضة، واجتثاث الأحزاب السياسية عبر فبركة ملفات تفتقر لأدنى مقومات المحاكمة العادلة، بهدف إحكام القبضة الفردية على الدولة وإسكات أي صوت معارض.

محاكمة سرية وتجاهل لأدلة البراءة في ملف سياسي مفبرك

فجّرت هيئة الدفاع عن حركة النهضة تفاصيل المسار القضائي الملتوي الذي حُوكم من خلاله قادة الحزب؛ حيث أكدت رئيسة المكتب القانوني، زينب براهم، أن القضية سياسية ومفبركة بامتياز من قبل أطراف سياسية منافسة، مشيرة إلى أن هيئة الدفاع قدمت للمحكمة أدلة دامغة تفند فرية “الغرفة السوداء” أو وجود أي تنظيم سري للحزب، وتثبت انعدام أي صلة للحركة بالاغتيالات السياسية التي شهدتها تونس عام 2013. واعتبرت براهم أن المفاجأة الوحيدة كانت الإصرار على حكم “المؤبد” لشخص ناهز الثمانين من عمره، مما يكشف عن رغبة انتقامية واضحة لإنهاء حياته خلف القضبان.

من جانبه، وصف عضو فريق الدفاع، مختار الجماعي، الأحكام بأنها حلقة متقدمة من حلقات تصفية الحسابات السياسية تحت غطاء “مكافحة الإرهاب”، كاشفاً عن خرق قانوني جسيم تمثل في رفض المحكمة تلبية طلب الدفاع بتأجيل القضية للاستماع ومعاينة شهادة رسمية بثتها وسائل الإعلام بتاريخ 1 يونيو/ حزيران 2026، تقدم فيها مدير عام الأمن الوطني بمعطيات حاسمة تؤكد بالدليل والبرهان عدم وجود أي جهاز سري للحركة ولا ارتباط لأي من المتهمين بعمليات الاغتيال أو المجموعات الإرهابية. كما استنكر الجماعي إصرار السلطة على سرية الجلسات وحظر علنيتها، مما يؤكد توظيف المحاكم لإصدار أحكام جاهزة ومعدة سلفاً في أروقة قصر قرطاج.

تركة انقلاب قيس سعيّد: تجريف الديمقراطية وتوظيف قضايا الإرهاب

منذ تفرده بالسلطة في يوليو 2021، قاد قيس سعيّد حملة تجريف ممنهجة للمكاسب الديمقراطية التي حققتها الثورة التونسية، وكان استقلال القضاء في مقدمة الضحايا؛ حيث أقدم على حل المجلس الأعلى للقضاء وعزل عشرات القضاة الرافضين لإملاءاته الأمنية، ليتحول القطب القضائي لمكافحة الإرهاب من منصة لحماية الأمن القومي إلى وادٍ لتلفيق التهم الجاهزة مثل “تكوين وفاق إرهابي” و”التآمر على أمن الدولة” ضد كل من يرفض الحكم الفردي المطلق.

وتشير القراءات الحقوقية إلى أن تحريك ملف “الجهاز السري” بعد مرور أكثر من عقد على اغتيال الشهيدين شكري بلعيد ومحمد البراهمي عام 2013، وإقحام النيابة العمومية فيه بقوة عام 2022، لم يكن بحثاً عن الحقيقة الكامنة التي تتاجر بها أطراف استئصالية، بل كان حاجة سياسية ملحة لمنظومة سعيّد للتغطية على الفشل الاقتصادي والاجتماعي الذريع، وعجز الدولة عن توفير المواد الأساسية للمواطنين، عبر اختلاق معارك وهمية وتصدير أحكام ثقيلة تشغل الرأي العام وتوفر وقوداً إعلامياً لخطابه التحريضي المستمر ضد الأجسام السياسية الوسطية.

السقوط الحقوقي الدولي لمنظومة الحكم في تونس

وضعت الأحكام الأخيرة ضد راشد الغنوشي ورفاقه تونس تحت مجهر الإدانة الدولية والحقوقية؛ فالأحكام التراكمية التي تجاوزت القرن من الزمن بحق شيخ ثمانيني ومفكر إسلامي بارز أمضى حياته في الدعوة للديمقراطية والتوافق، تعكس انحداراً غير مسبوق في ملف حقوق الإنسان وتراجعاً مخيفاً للحريات العامة والسياسية. وبات العواصم الغربية والمنظمات الأممية تنظر بقلق بالغ إلى تحول السجون التونسية إلى معتقلات جماعية لقادة الفكر والسياسة والصحافة.

وفي المحصلة، فإن الأحكام الصادرة في قضية “الجهاز السري” لا تمثل إدانة لحركة النهضة أو لراشد الغنوشي بقدر ما تمثل شهادة وفاة للعدالة التونسية في عهد قيس سعيّد؛ إن سياسة القمع العاري، والتنكيل الممنهج، وإصدار أحكام المؤبد في غرف مغلقة لن تفلح في شرعنة نظام متأزم يفتقر للحلول الواقعية، بل ستعمق من أزمته الشرعية وتدفع بالبلاد نحو مزيد من الاحتقان السياسي والانسداد التاريخي، مؤكدة أن محاولات سحق المعارضة بالسجون لن تلغي حقيقة أن الأوطان لا تبنى بالمحاكمات العسكرية والفبركات الأمنية، بل بالحوار والتعددية وسيادة القانون الحقيقي.

اقرأ أيضًا : بتمويل إماراتي وغطاء سياسي للمجرمين.. انتهاكات صارخة واستهدافات بحق الصحفيين