في تصعيد جديد يعكس تنامي الرفض الشعبي والنقابي للتعاون العسكري مع إسرائيل، كشفت تقارير صحفية أن نقابات عمالية فرنسية في مطار شارل ديغول بالعاصمة باريس، نجحت في إحباط محاولة لنقل شحنة عسكرية تابعة لشركة “إلبيت” الإسرائيلية المتخصصة في الصناعات الدفاعية. وكانت الشحنة، التي تضم مكونات إلكترونية ومعدات حساسة ومهمة لقسم الأنظمة البرية بالشركة، مجدولة للنقل يوم الخميس الماضي عبر رحلة لشركة الخطوط الجوية الفرنسية “إير فرانس” متجهة إلى مطار بن غوريون. هذا المنع المفاجئ أحدث حالة من الارتباك وأجبر الجهات المعنية على تعليق عملية الشحن بالكامل.
وأوضحت التقارير أن هذا التحرك النوعي لم يكن وليد اللحظة، بل جاء ثمرة تخطيط وتنسيق مشترك وواسع بين ثلاث نقابات رئيسية لعمال الطيران، إلى جانب العديد من المنظمات والمجموعات المتضامنة مع القضية الفلسطينية، والتي تبرز من بينها حركة “Urgence Palestine”. وتواصل هذه المجموعات العمالية والحقوقية جهودها الحثيثة حالياً لرصد ومنع أي محاولة بديلة للالتفاف على قرارهم؛ حيث تصدوا لمحاولة نقل نفس الشحنة العسكرية عبر رحلة تابعة لشركة طيران “إلعال” الإسرائيلي، وأصدرت لجنة عمالية داخل المطار قراراً حاسماً وصارماً يوجه العمال برفض تحميل تلك المعدات على متن أي طائرة مغادرة.
ولا يُعد هذا الموقف النقابي الصلب حدثاً معزولاً في الساحة الفرنسية، بل يمثل امتداداً طبيعياً لموقف شعبي متجذر يتضامن بقوة مع الشعب الفلسطيني. فقد شهدت الشوارع الفرنسية، على مدار السنوات الماضية، حراكاً متواصلاً من قبل المواطنين، والطلاب، والنقابات العمالية، الذين نظموا تظاهرات حاشدة وحملات مقاطعة واسعة للضغط على الحكومة لقطع العلاقات الداعمة للمنظومة العسكرية الإسرائيلية. هذا الوعي الشعبي المتنامي جعل من مقارّ العمل، بما فيها المطارات والموانئ، ساحات للاحتجاج الفعلي والضغط المباشر لوقف تمرير أي دعم عسكري.
وقد أثبت هذا الضغط الشعبي والنقابي المتراكم فاعليته القصوى في تغيير مسار السياسة الخارجية لباريس؛ فبعد سنوات طويلة من الرفض والمماطلة الدبلوماسية، رضخت الإدارة الفرنسية أخيراً لمطالب الشارع، وتُوّج هذا النضال بإعلان فرنسا اعترافها الرسمي بدولة فلسطين في 22 سبتمبر 2025. وجاء هذا الاعتراف التاريخي خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، ليمثل انتصاراً كبيراً للحركات المتضامنة في فرنسا. واليوم، يستند العمال في تحركاتهم إلى هذا الاعتراف، معتبرين أن السماح بمرور صفقات أسلحة يتناقض كلياً مع الموقف السياسي والأخلاقي الجديد الذي أجبروا دولتهم على اتخاذه.
وفي سياق متصل، طالبت المنظمات الحقوقية والنقابات في بيان رسمي عاجل السلطات الفرنسية وهيئات الطيران المدني بالتدخل الفوري والحازم لمنع نقل هذه الشحنة بشكل نهائي. وشدد البيان على أن التزامات فرنسا الأخلاقية والقانونية -خاصة بعد اعترافها بالدولة الفلسطينية- يجب ألا تتأثر أو يتم التحايل عليها باختلاف الناقل الجوي. من جهتها، وتحت وطأة الضغط الإعلامي والجماهيري، سارعت شركة “إير فرانس” إلى التبرؤ من الحادثة، حيث صرح متحدث رسمي باسم الشركة لوسائل إعلام فرنسية بأن رحلاتهم المتجهة إلى إسرائيل لا تنقل أي أسلحة أو ذخائر أو معدات عسكرية بأي شكل من الأشكال، وهو تصريح يرى فيه النقابيون محاولة للتنصل من المسؤولية وامتصاص غضب الشارع.