حذّر تقرير مشترك صادر عن برنامج الأغذية العالمي ومؤشر الجوع العالمي لعام 2025 من أن اليمن يقف على حافة كارثة إنسانية جديدة، بعدما بلغ مستوى الجوع في البلاد مرحلة “مقلقة للغاية”، وسط مؤشرات تؤكد أن ملايين اليمنيين قد ينزلقون خلال الأشهر المقبلة إلى فئة “الجوع الحاد للغاية”، في ظل استمرار الحصار البحري الذي تفرضه الإمارات على الموانئ اليمنية، وتراجع واردات الغذاء والوقود إلى مستويات خطيرة.

أزمة الجوع في مستويات غير مسبوقة
أوضح التقرير الأممي أن 61% من الأسر اليمنية عاجزة عن تلبية الحد الأدنى من احتياجاتها الغذائية، في ظل تدهور الأوضاع الاقتصادية واستمرار الحرب وتقلّص المساعدات الدولية. وتشير بيانات المسح الميداني لشهر سبتمبر/أيلول الماضي إلى أن الجوع لم يعد مقتصراً على المناطق الريفية أو مناطق النزاع المباشر، بل أصبح ظاهرة عامة تشمل معظم المحافظات اليمنية، بما فيها العاصمة صنعاء وعدن وتعز والحديدة.
وكشف التقرير أن 49% من الأسر اضطرت لتقليل استهلاك البالغين لصالح الأطفال، وهو ما يعكس تدهوراً غير مسبوق في أنماط المعيشة. وبحسب محللين إنسانيين، فإن هذه الظاهرة تعد مؤشراً على انهيار منظومة الأمن الغذائي، وتحول المجتمع اليمني إلى حالة من “التكيّف القسري مع المجاعة”، حيث يتنازل الآباء عن وجباتهم اليومية لإبقاء أطفالهم على قيد الحياة.
النازحون على حافة الانهيار
بيّن التقرير أن النازحين داخلياً هم الفئة الأكثر تضرراً من الجوع، إذ أبلغ 42% منهم عن مستويات جوع “متوسطة إلى شديدة”، مع افتقارهم للمأوى والخدمات الأساسية. وأشار إلى أن مناطق صنعاء الواقعة تحت سيطرة الحوثيين سجلت أعلى معدلات الحرمان الغذائي بنسبة 45%، مقارنة بـ33% في المناطق الخاضعة للحكومة المعترف بها دولياً.
ويعيش ملايين اليمنيين في مخيمات النزوح وسط أوضاع إنسانية وصحية مأساوية. وتفيد منظمات الإغاثة بأن كثيراً من العائلات النازحة تعتمد على وجبة واحدة فقط في اليوم، وغالباً ما تكون غير مكتملة العناصر الغذائية. كما أدى الانخفاض الحاد في تمويل وكالات الإغاثة، بما في ذلك برنامج الأغذية العالمي، إلى تقليص المساعدات الغذائية التي كانت تُقدَّم بانتظام، ما فاقم أزمة الجوع المنتشرة في البلاد.
الحصار البحري والإمارات.. خنق متعمّد لواردات الغذاء
ورغم الجهود الأممية لتسهيل وصول المساعدات، فإن التقرير أشار بوضوح إلى أن الهجمات على موانئ البحر الأحمر والحصار المفروض عليها تسببا في تراجع الواردات الغذائية بنسبة 23%، وواردات الوقود بنسبة 26% خلال الأشهر التسعة الأولى من العام الجاري. ويُحمّل مراقبون دوليون دولة الإمارات العربية المتحدة جزءاً كبيراً من المسؤولية عن هذا التدهور، نظراً لدورها في فرض قيود بحرية مشددة على حركة السفن المتجهة إلى الموانئ اليمنية، وخاصة ميناء الحديدة الذي يُعدّ الشريان الحيوي لوصول الغذاء إلى أكثر من 20 مليون إنسان.
وتُتهم الإمارات، التي تمتلك قوات ونفوذاً واسعاً في الموانئ الجنوبية والشرقية مثل المخا والمكلا وعدن، بـ”استغلال سيطرتها البحرية لخنق الشمال اليمني اقتصادياً”، ومنع دخول المواد الأساسية بحجة “الإجراءات الأمنية”. غير أن منظمات الإغاثة ترى أن هذه السياسة تفاقم المجاعة وتحوّل الغذاء إلى أداة ضغط سياسي تستخدمها أطراف الصراع الإقليمي لتحقيق مكاسب نفوذ.
ويقول الخبير في الشأن اليمني محمد الأحمدي إن “الإمارات تستخدم نفوذها في الساحل الغربي كوسيلة للضغط على الحوثيين، لكنها في الواقع تُجَوِّع الشعب اليمني بأكمله”، مضيفاً أن تقييد حركة السفن التجارية والإنسانية أدى إلى انكماش المعروض من السلع الغذائية وارتفاع أسعارها بأكثر من 300% خلال عامين.
الحرب المستمرة وانهيار السلم المجتمعي
في السياق ذاته، أشار التقرير إلى أن مؤشر السلام العالمي لعام 2025 صنّف اليمن خامس أقل الدول سلمية في العالم، نتيجة استمرار النزاع المسلح وتعدد القوى المتحاربة، سواء الحوثيون أو القوات الحكومية أو الفصائل المدعومة من الإمارات والسعودية. وقد انعكس هذا الانقسام على البنية التحتية المدنية، حيث تضررت شبكات الكهرباء والمياه والصرف الصحي، مما زاد من تفشي الأمراض وسوء التغذية، لا سيما بين الأطفال والنساء الحوامل.
من جهة أخرى، أشار التقرير إلى أن استمرار التوترات في البحر الأحمر منذ اندلاع حرب غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023 فاقم الأوضاع في اليمن، حيث هاجم الحوثيون ممرات الشحن الدولية تضامناً مع الفلسطينيين، ما دفع التحالف الذي تقوده واشنطن وأبوظبي إلى تشديد الحصار على الموانئ اليمنية، مما أدى إلى تعطيل وصول الإمدادات الأساسية.
تحذيرات أممية من “نقطة اللاعودة”
حذّر برنامج الأغذية العالمي من أن اليمن قد يدخل خلال عام 2025 مرحلة “الجوع الحاد للغاية”، إذا لم يتم رفع القيود المفروضة على الموانئ وضمان تدفق الإمدادات دون عوائق. وأكد أن أكثر من 17 مليون شخص يحتاجون إلى مساعدات غذائية عاجلة، وأن 3 ملايين طفل يعانون من سوء تغذية حاد.
كما دعا التقرير إلى فصل الملف الإنساني عن الصراعات السياسية والعسكرية، مذكراً بأن استمرار الحصار البحري والجوي يجعل من المستحيل تحسين الوضع المعيشي للسكان. وطالب المجتمع الدولي، ولا سيما الأمم المتحدة، بالضغط على الإمارات والسعودية لرفع القيود فوراً وتسهيل دخول المساعدات.
خاتمة: اليمن بين الجوع والسياسة
في المحصلة، يعكس التقرير صورة مأساوية لبلد أُنهك بالحرب والحصار. فبينما تتبادل القوى الإقليمية الاتهامات، يواصل ملايين اليمنيين الكفاح يومياً للبقاء على قيد الحياة. ومع تحذيرات منظمات الإغاثة من أن المجاعة قد تتحول إلى واقع خلال أشهر قليلة، تبدو السياسات الإماراتية في الموانئ أحد أبرز أسباب تعميق الكارثة الإنسانية، مما يجعل اليمن اليوم ساحة تُختبر فيها أخلاق العالم وإرادته لإنقاذ شعب يقف على حافة الفناء.
اقرأ أيضًا : قمع قيس سعيد يتعمّق: 5 سنوات سجناً بحقّ المحامي أحمد صواب المعارض للرئيس التونسي