في خطوة أثارت جدلاً واسعاً في الأوساط الأردنية والعربية، أوقفت السلطات الأردنية النائب في البرلمان وسام الربيحات، إلى جانب خمسة من أبناء حي الطفايلة في العاصمة عمان، على خلفية جمع التبرعات لأهالي قطاع غزة. القضية التي وُصفت رسمياً بأنها “ملف قانوني”، سرعان ما تحولت إلى قضية سياسية بامتياز، تتجاوز حدود محاكمة أفراد إلى اختبار لموقف الدولة الأردنية من العدوان الإسرائيلي على غزة ومن تضامن الشعب الأردني العميق مع الفلسطينيين.

خلفية القضية: من التضامن الشعبي إلى المحاكم

بداية الملف تعود إلى الأشهر الماضية، حيث بادر أهالي حي الطفايلة – وهو أحد الأحياء الشعبية المعروفة بتاريخها السياسي والاجتماعي في عمان – إلى إطلاق حملات لجمع التبرعات لصالح غزة منذ الأيام الأولى للعدوان الإسرائيلي. هذه الحملات لم تكن معزولة عن المزاج العام في الأردن، إذ يعبّر الشارع الأردني بشكل شبه يومي عن تضامنه مع الفلسطينيين عبر المسيرات والفعاليات الشعبية.

النائب وسام الربيحات، المنتمي لحزب جبهة العمل الإسلامي (أكبر كتلة معارضة داخل البرلمان بـ31 نائباً)، أعلن حينها أن الحملات تمت بترخيص رسمي من وزارة التنمية الاجتماعية، عارضاً وثائق تؤكد قانونية عمل أبناء الحي. بل إن بعض التبرعات خُصصت لمشاريع مثل الأضاحي داخل غزة، في محاولة لربط الدعم بالجانب الإنساني المباشر.

لكن مع نهاية الشهر الماضي، استدعى مدعي عام عمان النائب الربيحات وعدداً من أبناء الحي، على خلفية تلقي أموال وحوالات، قبل أن يُخلى سبيلهم. غير أن التحقيقات لم تُغلق، ليتحوّل الملف فجأة إلى اتهامات خطيرة تتعلق بـ”غسيل الأموال” و”مخالفة قانون الجرائم الإلكترونية” و”إنشاء منصة غير مرخصة لتلقي الأموال”.

البعد القانوني: اتهامات ثقيلة تحت غطاء “التنظيم”

بحسب وكالة الأنباء الأردنية الرسمية “بترا”، فإن المدعي العام قرر توقيف الربيحات وخمسة آخرين لمدة 15 يوماً قابلة للتجديد، بعد توجيه أربع تهم أساسية، أبرزها إنشاء منصة إلكترونية لجمع الأموال دون ترخيص، وغسيل الأموال، ومخالفة قانون التنمية الاجتماعية.

هذا التوصيف القانوني يكشف عن مسعى رسمي لإعطاء الطابع الجنائي للقضية، بحيث لا تبدو مرتبطة مباشرة بالسياسة أو بالموقف من غزة. غير أن هذا الطرح يواجه رفضاً واسعاً، إذ يؤكد الربيحات وأبناء حي الطفايلة أن لديهم أوراقاً تثبت حصولهم على موافقات رسمية مسبقة لجمع التبرعات، وأن المستهدف الحقيقي هو النشاط التضامني ذاته وليس أي خرق قانوني.

البعد السياسي: قمع المعارضة وتصفية الحسابات

أبعد من الجانب القانوني، يرى مراقبون أن القضية تحمل طابعاً سياسياً واضحاً، خصوصاً أن المستهدف هو نائب معارض من أبرز رموز جبهة العمل الإسلامي. توقيف نائب في البرلمان ليس مجرد “إجراء قضائي”، بل رسالة سياسية في توقيت حساس تشهده المنطقة مع تصاعد جرائم الاحتلال في غزة.

أكثر من ذلك، اعتبر الربيحات نفسه أن ما يجري هو “حملة تشويه” تستهدفه وتستهدف حي الطفايلة، متهماً وسائل إعلام رسمية وشبه رسمية بشيطنة الحي وأبنائه عبر ربطهم بملف “الأموال غير المشروعة”. وهو ما يعيد إلى الأذهان تاريخاً طويلاً من التوتر بين الدولة الأردنية والمعارضة الإسلامية، حيث تُستخدم التهم القانونية كأداة لكبح النشاط السياسي والاجتماعي.

البعد الإقليمي: بين غضب الشارع وارتباطات الحكم

القضية لا تنفصل عن المشهد الإقليمي. الأردن يعيش حالة دقيقة بين ضغوط التحالفات الدولية والإقليمية من جهة، والغضب الشعبي المتصاعد من جهة أخرى. ففي الوقت الذي يحافظ فيه النظام على علاقات أمنية ودبلوماسية وثيقة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، لا يتوقف الشارع الأردني عن تنظيم تظاهرات داعمة لغزة ورافضة لاتفاقيات التطبيع.

من هنا، يبدو أن استهداف مبادرات التبرعات الشعبية هو محاولة للسيطرة على موجة التضامن ومنعها من التحول إلى قوة سياسية منظمة قد تهدد التوازن الداخلي. وفي هذا السياق، يتحدث معارضون عن “خيانة الملك عبدالله الثاني لمشاعر الشعب”، معتبرين أن توقيف نائب منتخب بسبب دعمه لغزة ينسجم مع سياسة القصر في كبح أي فعل قد يحرج علاقاته الإقليمية.

اقرأ أيضًا : الإمارات دمّرت السودان.. وأوروبا تمدد العقوبات حتى 2026