في خطوة تصعيدية جديدة، طالبت جبهة الخلاص الوطني في تونس، الثلاثاء، بإيقاف ما وصفته بـ”المحاكمات الصورية الجائرة” ضد عدد من قيادات المعارضة، على رأسهم رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي، محذّرة من استمرار استخدام القضاء كأداة سياسية لتصفية الخصوم، في ظل حكم الرئيس قيس سعيد الذي تزداد الانتقادات لسلطته الفردية وتوجهاته الاستبدادية يوما بعد آخر.

محاكمات عن بُعد وحرمان من الحق في الدفاع
جاء في بيان الجبهة، التي يتزعمها السياسي المعارض البارز أحمد نجيب الشابي، رفضها القاطع للمحاكمات التي تُجرى عن بُعد، ومنها الجلسة التي عقدت اليوم لمحاكمة راشد الغنوشي وعدد من الرموز السياسية، معتبرة أن مثل هذه الإجراءات تمثل “انحرافًا بالقانون وتعسفًا في تطبيقه”، لا سيما أنها تحرم المتهمين من أحد أهم حقوقهم وهو الحضور العلني للدفاع عن أنفسهم أمام قاضيهم الطبيعي.
وبينما تشدد الجبهة على أن أي محاسبة سياسية مشروعة يجب أن تتم في إطار من الشفافية وضمانات المحاكمة العادلة، نددت بـ”الانزلاق الخطير الذي تشهده البلاد، حيث يتحول القضاء إلى أداة بيد السلطة التنفيذية لتصفية الحسابات مع المعارضين”، مشيرة إلى أن الظروف الحالية في تونس لا تتيح أي ضمانات لمحاكمات عادلة، في ظل غياب استقلالية القضاء وهيمنة الرئيس سعيد على مفاصل الدولة.
وتأتي هذه المحاكمات ضمن ملف ما بات يُعرف بـ”قضية التآمر على أمن الدولة”، والتي تشمل أكثر من 40 شخصية من الطيف المعارض، من بينهم رؤساء حكومات ووزراء سابقون، ومحامون وإعلاميون ونشطاء حقوقيون، يُحاكمون بتهم فضفاضة تتعلق بـ”التآمر وتكوين تنظيم إرهابي”.
الغنوشي والعريض في قلب الاستهداف.. والمعارضة تندد بالتنكيل
راشد الغنوشي، زعيم حركة النهضة والرئيس السابق للبرلمان المنحل، يقبع في السجن منذ أبريل 2023 بعد أن وُجهت له تهم بـ”التحريض على الدولة” و”التآمر على الأمن الداخلي”، وهي تهم اعتبرتها منظمات حقوقية محلية ودولية مجرد غطاء قانوني لاضطهاد سياسي.
وقُبض على الغنوشي بعد تصريحات أطلقها تنتقد توجهات قيس سعيد السلطوية، وقال فيها إن “تونس لا مستقبل لها في ظل الاستبداد”.
كما يشمل الاستهداف قيادات بارزة أخرى مثل علي العريض، رئيس الحكومة الأسبق ونائب رئيس حركة النهضة، الذي خضع بدوره لتحقيقات مطولة في قضايا يُنظر إليها كجزء من حملة الانتقام من المعارضة الإسلامية والليبرالية على حد سواء.
وقد وُضع العريض رهن الحبس الاحتياطي منذ أشهر، فيما يُمنع محاموه من التواصل بحرية معه، ويُحرم من جلسات علنية.
ولا تقتصر المحاكمات على الإسلاميين، إذ شملت شخصيات مثل يوسف الشاهد، رئيس الحكومة الأسبق، ونادية عكاشة، مديرة ديوان الرئاسة السابقة، في ما تعتبره جبهة الخلاص “انقلابا على منطق القانون، وتصفية لكل من له تاريخ أو نفوذ في الدولة السابقة على انقلاب 25 يوليو”.
ويعزز هذا المسار القمعي الصورة التي تتشكل حول نظام قيس سعيد، باعتباره نظامًا يمضي قدما في تركيز الحكم الفردي، مستخدمًا الأدوات القضائية والأمنية لتأميم المشهد السياسي وتكميم كل الأصوات المناوئة له، وسط انحسار الحريات وتقلص فضاء التعبير العام، بحسب ما تذكره تقارير دولية حديثة لمنظمات مثل “هيومن رايتس ووتش” و”العفو الدولية”.
انقلاب على الديمقراطية ومناشدة بوقف التدهور
وتعتبر جبهة الخلاص أن المحاكمات الجارية دليل إضافي على “انهيار دولة القانون”، مشيرة إلى أن القضاء لم يعد مؤسسة مستقلة وإنما “أداة سياسية لإرهاب المعارضين”، في ظل خضوع المجلس الأعلى للقضاء لإرادة الرئيس، الذي قام بحله واستبداله بهيئة مؤقتة موالية له في فبراير 2022.
وناشدت الجبهة كافة القوى المدنية والسياسية، المتمسكة بمبادئ الديمقراطية، بتكثيف الضغط لوقف هذه المحاكمات والإفراج عن المعتقلين السياسيين، معتبرة أن عودة الاستقرار لتونس تمر حتماً عبر استعادة استقلال القضاء ووقف تسييس المحاكم، وإعادة المسار الديمقراطي الذي انقلب عليه الرئيس سعيد منذ إعلانه الإجراءات الاستثنائية في يوليو/تموز 2021.
وقد أدت هذه الإجراءات، التي شملت تجميد البرلمان ثم حله، وإقالة الحكومة واحتكار السلطات التشريعية والتنفيذية، إلى إدخال البلاد في أزمة دستورية عميقة، رافقها انهيار اقتصادي وانكماش الثقة الدولية، ما زاد من عزلة تونس على الصعيدين العربي والدولي.
ورغم الانتقادات الدولية الواسعة، خاصة من الاتحاد الأوروبي ومنظمات الأمم المتحدة، يُصر قيس سعيد على المضي في مشروعه السياسي الذي يصفه بـ”التصحيح الثوري”، في حين تراه المعارضة “انقلابًا مكتمل الأركان” على دستور الثورة التونسية 2014، الذي جاء ثمرة لتضحيات شعبية ضخمة أطاحت بالرئيس الأسبق زين العابدين بن علي.
خاتمة: تونس في مفترق طرق
في ضوء هذه التطورات، تقف تونس أمام مفترق طرق حاد بين إعادة الاعتبار للديمقراطية والحريات العامة، أو الانزلاق نحو نموذج حكم فردي تغيب فيه المحاسبة ويُقمع فيه الاختلاف.
وتبقى المحاكمات السياسية الحالية، التي تطال الغنوشي ورفاقه، اختبارًا حاسمًا لمستقبل العدالة والحرية في البلاد.
فهل تُنهي تونس الفصل المظلم من التنكيل بالمعارضين وتعود إلى مسار المؤسسات؟ أم يواصل قيس سعيد طريقه نحو “جمهورية الخوف”؟ سؤال مفتوح، والإجابة مرهونة بتوازن القوى داخليًا، والضغط الشعبي والدولي على النظام القائم.
اقرأ أيضًا : تكميم الأفواه.. المجموعة الأفريقية تندد بتدخل تونس في السلطة القضائية