اهتزّت منصات التواصل الاجتماعي خلال الساعات الماضية بمقطع فيديو مؤلم من قلب أحد المستشفيات المدمّرة في قطاع غزة، يُظهر ثلاثة أطفال خدّج يتقاسمون الأوكسجين في حاضنة واحدة متهالكة، لا تتجاوز مساحتها ما يكفي لطفل واحد. أجساد نحيلة بالكاد تتنفس، تشهد على جريمة مستمرة ضد الإنسانية، وعلى انهيار كامل للنظام الصحي في القطاع الذي يختنق تحت وطأة الحصار والعدوان الإسرائيلي منذ عامين.
المقطع الذي نشرته وزارة الصحة الفلسطينية في غزة، كشف حجم المأساة الطبية غير المسبوقة، حيث قال الوزير في الفيديو: “اليوم نتحدث عن وضع لم يشهده العالم من قبل، ثلاثة أطفال في حاضنة واحدة، أحدهم مصاب بجرثومة الدم، ما يعني أن العدوى قد تنتقل للباقين في أي لحظة”، مؤكداً أن “الوضع فوق الكارثي” وأنها “صرخة استغاثة موجهة إلى كل الضمائر الحية في العالم لإنقاذ حياة هؤلاء الأطفال قبل فوات الأوان”.
منظمات إنسانية وناشطون وصفوا المشهد بأنه “ليس مجرد مأساة صحية، بل جريمة مستمرة بحق الحياة”، بينما تداول الآلاف الفيديو تحت وسم #أنقذوا_أطفال_غزة، محملين الاحتلال الإسرائيلي المسؤولية الكاملة عن الانهيار الكامل في المنظومة الصحية، بعد أن دمّر المستشفيات وقطع الإمدادات الطبية ومنع دخول الوقود اللازم لتشغيل مولدات الكهرباء وأجهزة التنفس.
انهيار ممنهج للقطاع الصحي
منذ بدء العدوان الإسرائيلي على غزة في السابع من أكتوبر 2023، لم ينجُ أي مرفق طبي من القصف أو الحصار. وتشير إحصاءات وزارة الصحة إلى أنّ أكثر من 75 في المئة من المستشفيات خرجت عن الخدمة بالكامل، فيما تعمل البقية بقدرات محدودة للغاية وسط انقطاع شبه دائم للكهرباء، ونقص حاد في الوقود والأدوية والمستلزمات الطبية.
ويقول أحد الأطباء العاملين في مجمع ناصر الطبي – حيث التُقط المقطع المؤلم – إن “كل ما تبقى من أجهزة التنفس والحضّانات يوشك على التوقف. نضطر إلى وضع طفلين أو ثلاثة في الحاضنة الواحدة. أحياناً نضطر إلى فصل أحدهم لإعطاء الأوكسجين لآخر، إنها قرارات لا تُحتمل”.
تقارير منظمة الصحة العالمية تؤكد أن ما يحدث في غزة “يمثّل انهياراً كاملاً للمنظومة الصحية”، وأن “القطاع الصحي أصبح غير قادر على الاستجابة لأي حالة طبية طارئة”، في حين يمنع الاحتلال وصول القوافل الطبية والوقود اللازم للمستشفيات تحت ذرائع أمنية واهية.
وبحسب أرقام الأمم المتحدة، فإن نحو 12 ألف طفل رضيع وُلدوا خلال العامين الماضيين في ظل الحرب والحصار، غالبيتهم في ظروف غير آمنة، دون غذاء كافٍ أو رعاية صحية أساسية.

جريمة تواصل خنق الحياة
لا يمكن النظر إلى مأساة الأطفال الثلاثة بمعزل عن السياسات الإسرائيلية التي تستهدف كل مظاهر الحياة في غزة. فمنذ اليوم الأول للحرب، ركّزت آلة الاحتلال العسكرية على تعطيل المرافق الحيوية: المستشفيات، محطات المياه، والمخابز، في سياسة ممنهجة تهدف إلى كسر إرادة السكان وإحداث انهيار شامل للبنية التحتية.
الطفل في غزة لا يُقتل فقط بالصاروخ، بل بالاختناق البطيء في حاضنة بلا هواء، وبالعدوى التي تنتقل من جسدٍ صغير إلى آخر لأن الاحتلال يمنع إدخال المضادات الحيوية. إنها حرب على الطفولة، على الحياة ذاتها.
وتشير التقارير الحقوقية إلى أن الاحتلال يتعمّد استهداف المستشفيات والمراكز الطبية، بما فيها مستشفى الشفاء والمجمع الإندونيسي ومجمع ناصر، التي كانت آخر خطوط الدفاع الطبي في القطاع. وقد حذرت منظمات كـ”أطباء بلا حدود” و”الصليب الأحمر” من أنّ استمرار منع دخول الوقود سيؤدي إلى “موت العشرات يومياً داخل الحاضنات وغرف العناية المركزة”.
إلى ذلك، قال المتحدث باسم وزارة الصحة الفلسطينية: “العالم يتفرج على موت الأطفال في غزة ببطء، لا نطلب المستحيل، فقط حاضنات وأدوية، فقط حياة”.
منصة التواصل تتحول إلى مرآة الضمير
الفيديو الذي صوّر مأساة الحاضنة الواحدة لم يكن مجرّد مشهد عابر؛ لقد تحوّل إلى قضية رأي عام عالمي. خلال ساعات، تجاوزت المشاهدات على منصات التواصل عشرات الملايين، وانهالت التعليقات من ناشطين وصحفيين وأطباء من مختلف دول العالم.
كتب أحد الأطباء في أوروبا: “في أي مكان آخر، سيكون هذا سبباً لإعلان حالة طوارئ دولية. في غزة، يمر المشهد وكأنه اعتيادي”. وعلّقت ناشطة عربية قائلة: “هؤلاء الأطفال لا يعرفون الحرب، لكن الحرب تعرفهم جيداً. لقد ولِدوا أسرى الحصار والموت”.
مشاهد الأطفال الثلاثة الذين يتقاسمون الأوكسجين باتت رمزاً لمعاناة جيل كامل في غزة، جيل يولد بلا مستقبل، تحاصره الجدران والأسلاك، ويُحرم من أبسط حقوقه في الحياة.
خاتمة: صمتٌ دولي وجريمة مستمرة
بينما تتواصل المناشدات لفتح ممر إنساني عاجل لإدخال الأدوية والحاضنات إلى غزة، يصرّ الاحتلال على إغلاق المعابر وتشديد الحصار. أما المجتمع الدولي، فيكتفي ببيانات القلق المعتادة التي لم تنقذ يوماً حياة طفل واحد.
ثلاثة أطفال في حاضنة واحدة.. مشهد اختزل معاناة شعبٍ كامل، وكشف حجم الإجرام الذي تمارسه “إسرائيل” بحق الأبرياء. هؤلاء الأطفال لا يملكون سوى أن يتنفسوا بصمت، فيما يختنق ضمير العالم من العجز أو التواطؤ.
اقرأ أيضًا : رغم تعهّد ترامب بعدم ضم أراض جديدة.. الاحتلال يستولي على أراضٍ في قلقيلية لتوسيع مستوطنة “متسبي يشاي”