تحولت تغريدة عابرة للأكاديمي الإماراتي عبد الخالق عبد الله إلى شرارة جديدة في مسلسل التنافس السعودي الإماراتي على الزعامة العلمية والرمزية في العالم العربي. 

فبعد إعلان فوز العالم الفلسطيني الأردني عمر ياغي بجائزة نوبل للكيمياء، كتب عبد الخالق تغريدة قال فيها: “فوز عالم الكيمياء الأمريكي الأردني الفلسطيني بجائزة نوبل للكيمياء، وقد سبق تكريمه ضمن مبادرة نوابغ العرب التي أُطلقت في الإمارات لتكريم العقول العربية المتميزة… مليون مبروك له ولنوابغ العرب”. 

هذه الكلمات التي أرادها تهنئةً تحولت سريعًا إلى ساحة تراشق خليجي، بعد أن لاحظ سعوديون أن الأكاديمي الإماراتي تجاهل ذكر الجنسية السعودية للعالم المحتفى به، ما اعتُبر محاولة متعمدة لطمس دور الرياض في تكريم الكفاءات واستقطابها.

رد سعودي غاضب واتهامات بـ”السرقة الرمزية”

رد الفعل الأبرز جاء من الأمير خالد آل سعود الذي نشر تغريدة قال فيها: “عفواً دكتور.. لتصحيح معلوماتك إليك تفاصيل أكثر وأدق”، مرفقًا خبرًا من وكالة الأنباء السعودية يوضح أن عمر ياغي يحمل الجنسية السعودية منذ عام 2021 في إطار مبادرة “تجنيس الكفاءات”. هذا الرد لم يكن مجرد تصحيح، بل حمل في طياته اتهامًا مبطنًا للإمارات بـ”الاستحواذ الرمزي” على إنجازات غيرها. فالمغردون السعوديون اعتبروا أن تجاهل عبد الخالق عبد الله للجنسية السعودية لم يكن سهوًا، بل جزءًا من نزعة أبوظبي لتقديم نفسها كـ”عاصمة التفوق العربي” في مقابل الصورة التي تروجها الرياض عن نفسها كـ”قائدة النهضة الحديثة”.

وانتشرت التعليقات السعودية التي وصفت تغريدة الأكاديمي الإماراتي بأنها “استعلاء إعلامي” و”دبلوماسية ناعمة” تهدف إلى نسب أي إنجاز عربي للإمارات عبر مظلة مبادرة “نوابغ العرب” التي أطلقها الشيخ محمد بن راشد عام 2024. وفي المقابل، دافع مغردون إماراتيون عن عبد الخالق قائلين إنه تحدث عن المبادرة التي كرّمت ياغي فعلاً العام الماضي، وأن ذكر الجنسية لم يكن ضروريًا في سياق التغريدة.

عمر ياغي بين ثلاث هويات متنازعة

العالم عمر ياغي يمثل حالة معقدة لهوية علمية متعددة، فهو من أصول فلسطينية، نشأ في الأردن ويحمل جنسيتها، ثم حصل على الجنسية الأمريكية لاحقًا، قبل أن تمنحه السعودية جنسيتها في 2021 تقديرًا لإنجازاته العلمية في مجال الكيمياء. لكن الجدل الأخير أظهر كيف تحوّلت إنجازاته إلى ميدان جديد للتنافس الخليجي على “الرمزية العلمية”. فالإمارات تسعى إلى ترسيخ صورتها كـ”حاضنة للعلماء العرب” من خلال مبادرات مثل “نوابغ العرب” و”متحف المستقبل”، بينما تحاول السعودية في عهد محمد بن سلمان أن تؤكد موقعها الجديد كـ”دولة الكفاءات” عبر مشروع “رؤية 2030” الذي يشمل تجنيس الخبرات المتميزة واستقطاب العلماء.

بهذا المعنى، لم يكن الخلاف حول تغريدة مجرد نقاش عابر، بل تجلياً لمنافسة أعمق بين مشروعين يسعيان لتصوير نفسيهما بوصفهما محور النهضة العلمية في المنطقة. ويُظهر ذلك كيف باتت الإنجازات الفردية للعلماء العرب مادة للتجاذب السياسي بين العواصم الطموحة في الخليج، أكثر منها مناسبة لتكريم حقيقي للعلم.

“نوبل” كمؤشر على حرب النفوذ الناعمة

جائزة نوبل، التي يفترض أن تكون تكريماً للعلم والبحث، تحولت في السياق العربي إلى رمز للنفوذ الناعم والهيبة الوطنية. فكما تتسابق الدول على تنظيم المهرجانات واستضافة القمم، باتت أيضًا تتنافس في نسب العلماء والإنجازات إلى نفسها. ولعل ما جعل التوتر أكثر وضوحًا هو أن مبادرة “نوابغ العرب” التي أطلقتها الإمارات في 2024 كانت تهدف ظاهريًا إلى توحيد الفخر العربي بالإنجاز العلمي، لكنها عمليًا صارت تُستخدم كمنصة لتسويق الصورة الإماراتية عالميًا، عبر الربط بين العقول العربية الناجحة و”العباءة الإماراتية”.

في المقابل، سعت السعودية مؤخرًا إلى تكثيف برامج التجنيس للكفاءات، في محاولة لتأكيد حضورها العلمي والبحثي بعد عقود من الاتكاء على النفط والاقتصاد الريعي. وبذلك، بدا أن الخلاف حول “تغريدة” عبد الخالق لم يكن سوى حلقة جديدة من حرب رمزية بين أبوظبي والرياض على من يملك حق التحدث باسم “العقل العربي المبدع”.

دلالات الصراع ووجهه المستقبلي

تكشف هذه الواقعة الصغيرة عن عمق التنافس السعودي الإماراتي في مجالات تتجاوز السياسة والاقتصاد إلى الثقافة والهوية والمعرفة. فالإمارات التي سبقت في إطلاق مشاريع مثل مسبار الأمل ومدينة مصدر ومتحف المستقبل، ترى نفسها رائدة في “البراند العلمي العربي”، بينما تعمل السعودية عبر مؤسساتها الجديدة كمؤسسة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية و”نيوم” على خلق صورة موازية عن “النهضة السعودية الحديثة”.

وفي الوقت الذي يحتفي فيه العالم بعالم كيمياء عربي نال أرفع جائزة علمية، ينشغل العرب في جدل حول “من له الفضل؟”، وهو ما يعكس أزمة أعمق في نظرتهم إلى الكفاءات بوصفها أدوات فخر ووجاهة وطنية أكثر من كونها رموزًا للتعاون والتكامل العلمي. وبينما يواصل عمر ياغي أبحاثه في المختبرات الأمريكية، يستمر الجدل في تويتر العربي حول “من يحق له نسب نوبل؟”، في مشهد يلخص صراع الرموز في الخليج بين من يريد قيادة الاقتصاد ومن يريد احتكار الضوء.

اقرأ أيضًا : كيف استقبل أهالي غزة رد حماس على خطة ترامب؟