ليس القتل في غزة مقتصرا على المقاتلين أو ما تُسميه دولة الاحتلال “أهدافًا عسكرية”، بل امتد ليغتال الأرواح البريئة، ويجرف الطفولة من مهدها.
ففي قطاع محاصر، حيث لا ملجأ من الصواريخ سوى أحضان الأمهات، تحول الأطفال إلى أهداف مباشرة لآلة القتل الإسرائيلية. لم يعد الطفل بحاجة إلى أن يكون في مدرسة أو مستشفى ليُقصف، بل يكفي أن يكون في منزله نائمًا أو يلهو في فناء بيته، ليمضي فجأة إلى عالمٍ آخر، بلا مقدمات.
في هذا السياق الوحشي، يأتي المشهد المفجع لرحيل طفلتين صغيرتين لم يتجاوز عمرهما أربع سنوات، اختارهما الاحتلال كضحيتين جديدتين في مسلسلٍ دموي لا ينتهي. غابا عن الحياة وهما متعانقين، كما لو كانا يدركان أن لحظة الفراق ستكون مشتركة، وأن الرحيل لن يكون إلا معًا.

الطفولة بين الموت والركام: عالم بلا أمان
أن تولد في غزة، يعني أن تبدأ حياتك في قلب الحرب. لا تعرف الأمن، ولا ترى من الطفولة سوى شظايا اللعب، وصدى الضحكات التي تختنق تحت صواريخ الفوسفور، أو صرخات الأمهات الثكالى.
مشهد سنا وصبا -الذين ولدتا معا واستشهدتا معا- وهما ممددان بلا حراك، ليس مشهدًا عابرًا، بل هو تلخيص مرير لحياة مئات الآلاف من أطفال القطاع.
هذه الطفولة التي يُفترض أن تُحاط بالرعاية، تُزف يوميًا إلى المقابر، وسط عجز عالمي مقيت.
وفقًا لتقارير الأمم المتحدة، يُقتل في غزة ما لا يقل عن 27 طفلًا يوميًا منذ بداية العدوان في أكتوبر 2023. أي أن كل يوم يحمل بين طياته مجزرة جديدة في حق الطفولة، لا تجد من يوقفها أو حتى يشجبها بصدق.
البيوت التي تُقصف على رؤوس ساكنيها ليست مجرد مبانٍ، بل حضن العائلة، ومكان الأمان الوحيد للأطفال.
وعندما يتحول هذا الحصن إلى مقبرة، فماذا يتبقى لهم؟ كيف يمكن للطفل أن يحيا بعد أن يرى أشلاء أشقائه؟ كيف سيواصل الحياة من ظلّ نجى، بعد أن رأى أحبّ الناس إليه يُحتضن الموت؟
مجزرة موثقة.. والضمير الإنساني غائب
عدسات الصحفيين لم تعد توثق فقط، بل أصبحت شريكة في الوجع. المصورون لا يحملون الكاميرات فقط، بل يحملون على عاتقهم أوزار مشاهد لن تنمحي من ذاكرتهم.
صور الأطفال تحت الأنقاض، أو في أحضان آبائهم وهم يودعونهم، تحولت إلى أيقونات للوجع الفلسطيني، لكنها لم تحرّك ساكنًا في ضمير العالم الحرّ.
المصور محمد أسعد، الذي وثّق لحظة وداع الطفلتين، لم يستطع أن يمنع نفسه من التساؤل: “هل يفيد عملنا هذا في شيء؟”. ومعه الحق. فكم من الصور نُشرت؟ وكم من النداءات أُطلقت؟ وكم من الأصوات ارتفعت؟ لكن شيئًا لم يتغير.
المصور علاء بدارنة، عبّر عن عجزه بقوله: “هذه أصعب صورة قد ألتقطها في حياتي”. والمفارقة أن هذه الصورة، رغم ثقلها، ليست الأولى من نوعها، ولن تكون الأخيرة، طالما أن العالم ينظر إلى غزة كأنها “بقعة مشوشة”، أو “قضية معقدة” تستحق التجاهل.
عندما يصبح الأطفال أهدافًا عسكرية
القتل المنهجي للأطفال في غزة لم يعد “أضرارًا جانبية” كما كانت تسوّقه آلة الدعاية الإسرائيلية، بل سياسة متعمّدة. حين يُقصف مخيم مكتظ بالنازحين، ويُستهدف ملجأ مدني، وتُفجّر مدرسة تأوي مئات العائلات، فإن الأمر لا يتعلق بخطأ، بل بجريمة واضحة المعالم.
في كل عدوان على غزة، تتحدث إسرائيل عن “أهداف دقيقة”، لكن الواقع يقول إن الهدف الدائم هو الإنسان الفلسطيني، خاصة الأطفال. ففي الحرب الأخيرة، بات واضحًا أن قتل الطفولة هدف بحد ذاته، وكأن الاحتلال يراهن على قتل المستقبل عبر قتل أصحابه.
وإن كان الاحتلال يعتبر قتل الأطفال تكتيكًا لردع المقاومة، فإنه بذلك يرتكب أشنع جريمة يمكن أن تُرتكب بحق شعب، وهي محو الأمل في الغد.
بين الرماد والصمت.. من يُنصف غزة؟
ما يحدث في غزة يتجاوز كل الأعراف والقوانين الدولية، ويضع العالم أمام اختبار أخلاقي فاشل. حين يُقتل آلاف الأطفال، ويُشرّد مئات الآلاف، وتتحول المدارس والمستشفيات إلى مقابر جماعية، فلا معنى حينها لكل المؤتمرات الدولية ولا لكل بيانات القلق الأممية.
السؤال المؤلم: ماذا بعد؟ كم من الأطفال سيُذبحون حتى يتحرك الضمير العالمي؟ كم من التوأم سيولدون ليموتوا معًا في حضن الحرب؟ كم من الأمهات سيفقدن أطفالهن مرة واحدة؟ وكم من الآباء سيُدفنون ومعهم طفولتهم؟
لقد تجاوز الاحتلال مرحلة ارتكاب المجازر، ووصل إلى مرحلة صناعة الموت كمنهجية. وحتى اللحظة، لا تُعاقب إسرائيل، بل تُكافأ، وتُمنح الحماية السياسية والغطاء الإعلامي، بينما يُطلب من الفلسطيني أن يصمت، ويواصل الموت بكرامة!
حين تصبح غزة ضميرًا عالميًا غائبًا
في حضن غزة استُشهدت البراءة، ولم يتحرك العالم. توأمان صغيران رحلا في لحظة واحدة، ليتركا خلفهما رسالة واضحة: هذا ليس صراعًا على أرض أو حدود، بل معركة وجود ضد آلة تحترف القتل، وتُطبع جرائمها يوميًا.
إن استشهاد الأطفال ليس حدثًا عابرًا، بل ناقوس خطر يُقرع كل يوم في وجه الإنسانية. فإما أن ينهض العالم لإنقاذ الطفولة في غزة، أو يعترف أنه لم يعد يصلح حتى للبكاء.
صبا وسنا هما الشاهدتان الجديدتان على أن في غزة تُذبح الحياة من الوريد إلى الوريد، تحت سمع العالم وبصره، بينما لا يزال يتجادل في شرعية الضحية، ويمنح القاتل فرصة أخرى ليعيد القصف من جديد.
اقرأ أيضًا : ألماس الإمارات.. بريقه في تل أبيب ودمه في غزة