في مشهد من التناقض الأخلاقي والسياسي البائس، يكشف الواقع العربي اليوم عن مدى انهيار القيم والمبادئ لدى الحكام الذين لطالما خاضوا الحروب، وشنوا الحملات، واستجلبوا الدعم من كل صوب فقط لحماية عروشهم، لدرجة أن قبلوا انهيارات اقتصادية وضحوا بصفقات استثمارية وقبلوا العزلة الدولية أحيانا وعارضوا دولا عظمى وحركوا أدوات ضغط لم نراها مسبقا وأظهروا صمودا استثنائيا أمام القرارات الدولية حين كانت عُروشهم هي المستهدفة، بينما يصمتون اليوم صمت القبور أمام إبادة جماعية مستمرة لشعب غزة، تدخل شهرها التاسع عشر بلا توقف.

دعونا نسترجع المشهد جيدًا، لنفهم حجم الانهيار.

محمد بن سلمان: الهجوم الكاسح لحماية الأمير

عندما اغتال محمد بن سلمان الصحفي السعودي جمال خاشقجي في قنصلية بلاده في إسطنبول، ومُزقت جثته داخل مبنى يفترض أن يكون ملاذًا آمنًا، اهتز العالم. واجه بن سلمان حينها عاصفة غير مسبوقة من الغضب الدولي، أصدر الكونغرس الأمريكي بيانات إدانة، فتحت تركيا تحقيقات رسمية وحركت الملفات القضائية، هددت أوروبا بفرض عقوبات.طالبت منظمات حقوق الإنسان بمحاسبة الرجل.

لم يتردد، لم يصمت، لم يحتمِ وراء عبارات “الفصل بين السياسة والاقتصاد”، بل جنّد كل طاقاته وأمواله ونفوذه الإقليمي لكسر أنقرة وإجبارها على التراجع عن ملاحقته، تحركت الرياض ومعها الإمارات ومصر بكل ما أوتيت من أدوات الضغط والنفوذ لإخماد العاصفة الدولية. خاضت السعودية حربًا شاملة ضد تركيا: مقاطعة اقتصادية غير معلنة، تجميد الاستثمارات، حملات تشويه إعلامي مكثف، وضخ مليارات الدولارات في اتجاه روسيا والصين لبناء تحالفات بديلة تكسر الضغوط الغربية، كان الهدف الوحيد هو تبرئة ساحة ولي العهد وتحييد القضية، ولم يكترث بن سلمان بالخسارة ولا قلب الموازين ولا تهديد مصالح المملكة أو تشويه سمعتها .. فالكرسي حينها كان يستحق كل شيء.

سي آي أي: محمد بن سلمان هو من أمر بقتل خاشقجي | أخبار | الجزيرة نت

محمد بن زايد: الاستقرار وفق مقاس العرش

منذ مطلع العقد الماضي، رسّخ محمد بن زايد موقعه كأحد أبرز صُنّاع الفوضى المنظمة في العالم العربي، حيث لم يتردد في دعم أي انقلاب أو تمرد أو مسار انقلابي طالما كان ذلك كفيلًا بإجهاض أي مشروع سياسي يُهدد شكل الحكم الذي يرتضيه ويأمنه لنفسه وحلفائه.

في مصر، كان الداعم الأول لانقلاب عبد الفتاح السيسي على أول تجربة ديمقراطية جاءت عبر صناديق الاقتراع. وفي تونس، ضخّ الأموال والتسهيلات الأمنية والسياسية لإسقاط التجربة الانتخابية ومسح المشهد الحزبي. وفي ليبيا، دعم الجنرال الانقلابي خليفة حفتر بالسلاح والتغطية السياسية، وموّل حربًا أهلية كادت تمزق البلاد تمامًا. كما لعب دورًا بارزًا في تفجير المسار الانتقالي في السودان، متورطًا في دعم أطراف الصراع التي أعادت البلاد إلى مشهد الدم والانقسام. أما في اليمن، فقد رسم سياسته على أساس التقسيم والتفكيك، عبر دعم المجلس الانتقالي الجنوبي وتمكينه عسكريًا في مواجهة الحكومة المعترف بها دوليًا.

لم يكن هذا التدخل مدفوعًا بمصالح أمنية أو اقتصادية محضة، بل بمنطق واضح: كل تحول ديمقراطي، أو انتقال سياسي حر، هو تهديد محتمل لمشروع الحكم الفردي الذي يرى فيه بن زايد النموذج الأمثل للمنطقة.

وعندما تصاعد الخلاف مع قطر عام 2017، كان من أبرز مهندسي الحصار الرباعي، وسعى بكل ثقله الإقليمي والدولي لعزلها سياسيًا واقتصاديًا. لم يكتفِ بقطع العلاقات وتجميد التعاون، بل تجاوز ذلك إلى التحريض الإعلامي وفتح قنوات ضغط في العواصم الغربية، بل وترددت تقارير دولية عن سعيه لدفع شركائه نحو تحرك عسكري ضد الدوحة، لولا صلابة الموقف القطري وتحالفاته الدولية آنذاك.

كل ذلك يكشف كيف أن محمد بن زايد لا يتعامل مع السياسات من منطلقات قومية أو مبدئية، بل من منظور واحد: هل هذا المسار يُبقي عرشه في مأمن، أم يهدده؟ فإن كان الأول، ساندته بالمال والدعاية. وإن كان الثاني، حاربته بالوكالة أو بالأصالة.

محمد بن زايد، أو المستقبل المستبد للشرق الأوسط - روبرت وورث

عبد الفتاح السيسي: الحاكم الذي جعل بقاءه فوق بقاء الدولة

منذ انقلابه على أول رئيس مدني منتخب في مصر عام 2013، كشف عبد الفتاح السيسي عن جوهر مشروعه القائم على معادلة واحدة لا تتغير: بقاء الحاكم فوق كل اعتبار، ولو على أنقاض الدولة. لم يتردد في اتخاذ قراره، رغم ما ترتب عليه من عزلة دولية خانقة، وتعليق عضوية مصر في الاتحاد الإفريقي، وتجميد مساعدات أمريكية وأوروبية، وقطيعة سياسية من عدد من الدول والمؤسسات الحقوقية.

لم يقل السيسي حينها “مصلحة الدولة أولًا”، ولم يُظهر أي استعداد لتقديم تنازل يخفف من عزلة مصر أو يفتح الباب أمام مصالحة وطنية تحفظ الحد الأدنى من التوازن السياسي. بل أصرّ على تثبيت انقلابه مهما كانت التكلفة. تراجع الاستثمار، انهارت العملة، انخفض احتياطي النقد الأجنبي، وواجهت البلاد أزمة اقتصادية غير مسبوقة، لكنه لم يتراجع، لأن ما كان معرّضًا للخطر لم يكن الاقتصاد، بل الكرسي.

وفي وجه التهديدات الداخلية، اختار القمع العاري طريقًا وحيدًا. امتلأت السجون بعشرات الآلاف من المعارضين، وأُغلقت الفضاءات السياسية والإعلامية، وحُوّلت الدولة إلى ساحة أمنية مُحكَمة، تسير فيها كل مؤسسات الحكم في فلك سلطة الفرد.

خارجيًا، أدار السيسي تحالفاته بمنطق النفوذ الشخصي لا السيادة الوطنية. حين احتاجه خليفة حفتر في ليبيا، فتح له الأجواء والدعم، رغم التعارض مع المسار الأممي. وحين واجه محمد بن سلمان أزمته بعد مقتل خاشقجي، وقف السيسي معه، دون تردد، في موقف صريح يؤكد ولاءه السياسي لمعسكر الحلفاء داعمي عرشه لا وطنه مهما كان الثمن.

لقد قدم عبد الفتاح السيسي، عبر سنوات حكمه، نموذجًا صارخًا لحاكم لا يرى في الدولة سوى امتداد لسلطته، ولا يتردد في تحميل شعبه كلفة الصراعات التي يخوضها لتثبيت موقعه في الحكم، ولو على حساب الاقتصاد، السمعة الدولية، والاستقرار الداخلي.

بلا سبب معلن.. السيسي يقيل 11 مستشارا له بقرار واحد | الحرة

عبد الله الثاني: ملك تحت الطلب

لطالما قدّم النظام الأردني نفسه للعالم بوصفه “الوسيط العاقل” في منطقة مضطربة، واحتفظ خطابه الرسمي بلغة دبلوماسية ناعمة تتحدث عن الحقوق الفلسطينية والسلام العادل. غير أن ما تخفيه هذه اللغة يظهر بوضوح عندما يشعر القصر الملكي أن موازين الداخل بدأت تميل، ولو قليلًا، خارج نطاق السيطرة.

عبد الله الثاني، الذي واجه في العقدين الماضيين أكثر من لحظة اضطراب داخلي، تعاطى دومًا مع الحراك الشعبي والسياسي من زاوية واحدة: هل يُشكل هذا تهديدًا مباشرًا للعرش؟ وإذا كانت الإجابة نعم، فإن أدوات الرد لا تتأخر كثيرًا.

حين ظهرت بوادر انقسام داخل العائلة المالكة في ما عُرف بـ”قضية الأمير حمزة”، اختار الملك أن يُحوّل الأزمة إلى ملف أمني مغلق، وأطلق حملة تعبئة وطنية إعلامية للقول إن “استقرار البلاد خط أحمر”، ولو على حساب سمعة الدولة، ووحدة العائلة، والثقة الشعبية.

وقبل أسابيع، تكرر المشهد على نحو أكثر خطورة، مع إعلان السلطات الأردنية عن “خلية” متهمة بدعم المقاومة الفلسطينية، وتصنيع صواريخ ونقلها للضفة الغربية. لم تكن هذه الخلية، بحسب الوثائق القضائية، تخطط لاستهداف الأردن أو المساس بأمنه، بل كانت مدفوعة بدافع فردي لمناصرة الشعب الفلسطيني، ودعم المقاومة في وجه الاحتلال.

لكن الملك عبد الله الثاني، الذي كان يتابع تصاعد الحراك الشعبي في عمّان والزرقاء وإربد، رأى في هذا النشاط – السياسي والوجداني – خطرًا يتجاوز المسموح. فتحت الأجهزة الأمنية ملف “الخلية”، وقُدمت اعترافات مجتزأة في الإعلام، وجرى تضخيم القضية لتبدو كأنها تهديد وطني منظم. وفي الخلفية، كان واضحًا أن الرسالة موجهة للداخل: كل من يتجاوز الحدود سيكون هدفًا للقمع.

حُظرت إثر ذلك أنشطة جماعة الإخوان كخطوة تقرب الدعم الإماراتي وتحمي العرش من ما قد يشكل تهديدا على المدى الطويل ولو بعد عشرات السنين، فالخروج للشوارع وإن كان في سبيل فلسطين اليوم، فالجمهور عرف الطريق وقد يتحرك غدا ضده، من يدري .. فليُقمع الجميع.

ننتظر رؤية خطة مصر».. ماذا دار في لقاء ترامب والعاهل الأردني؟ (صور وفيديو)

محمد السادس: ملك رهن القضايا الوطنية مقابل تثبيت العرش

لم تختلف معادلة الحكم في المغرب عن غيرها من عواصم العروش العربية؛ فكلما لاحت بوادر تهديد خارجي أو داخلي لمكانة العرش، كانت الأولوية المطلقة لدى محمد السادس هي تثبيت حكمه، ولو جاء ذلك على حساب المبادئ، أو التزامات المغرب التاريخية.

منذ عقود ظل الملك المغربي يروّج لدور بلاده الرمزي في دعم القضية الفلسطينية، عبر ترؤسه “لجنة القدس”، وباعتبار المغرب واحدًا من مكونات الإجماع العربي حول الحقوق الفلسطينية. لكن هذا الخطاب التقليدي سرعان ما تبخر حين اصطدمت مصالح العرش بحاجته لتثبيت سيادته على الصحراء الغربية.

في عام 2020، وفي إطار ما عُرف بـ”اتفاقات أبراهام”، كان المغرب من بين الدول العربية التي اندفعت نحو التطبيع العلني مع إسرائيل، مقابل اعتراف أمريكي بسيادة المغرب على الصحراء. لم يتردد محمد السادس حينها في التخلي عن أي ورقة مبدئية تتعلق بفلسطين، مقابل مكاسب سياسية مباشرة تدعم شرعية نظامه داخليًا، وتُعزز موقفه إقليميًا.

لم تُثنه عن ذلك أصوات الشارع المغربي الذي خرج بعشرات التظاهرات الرافضة للتطبيع، ولا استنكار القوى السياسية والمدنية. كان هدف القصر واضحًا: إنهاء أي معادلة قد تربط بين دعم فلسطين والشرعية الشعبية.

اليوم، مع استمرار المجازر في غزة للشهر التاسع عشر على التوالي، لم يظهر عن المغرب أي موقف يتناسب مع حجم الكارثة. بقيت العلاقات مع إسرائيل قائمة، وتواصل التعاون الأمني والعسكري والاقتصادي دون انقطاع، بل وتكرست الزيارات المتبادلة والاتفاقيات، وكأن الدم الفلسطيني يُراق في كوكب آخر.

في حسابات محمد السادس، كما كان دائمًا، القضية الوطنية لا تتعلق بالقدس أو غزة أو رام الله. القضية الوطنية الوحيدة هي تثبيت العرش وضمان الاعتراف الدولي بمكاسبه، مهما كان الثمن، ومهما كان الحليف… حتى لو كان الحليف مغتصب القدس نفسه.

وبذلك، يكون النظام المغربي قد قدّم مثالًا آخر على قاعدة راسخة: كل شيء قابل للبيع والتنازل، ما دام الكرسي باقٍ في مكانه

جلالة الملك محمد السادس – بيت مال القدس

غزة تُباد والعروش تُصافح الجزار

في لحظة تاريخية تُباد فيها غزة بلا توقف منذ أكثر من تسعة عشر شهرًا، لم تُستخدم أي من الأدوات التي كانت هذه الأنظمة قد جنّدتها في مواجهة العالم ومواجهة شعوبها لحماية كراسيها، لم نرَ مقاطعة اقتصادية واحدة ضد إسرائيل، لم نرَ حملة دبلوماسية قوية في الأمم المتحدة، لم نرَ استخدام أوراق النفط أو المال أو الأسواق للضغط على داعمي الإبادة، لم نرَ حتى انسحابًا رمزيًا من مباراة رياضية ضد إسرائيلي.

بل على العكس ضخوا مليارات الدولارات في اقتصادات الدول الغربية التي تسلّح إسرائيل، فتحوا بلادهم للرياضيين الإسرائيليين تحت ذريعة “الفصل بين السياسة والرياضة”، استمروا في التطبيع وكأن شيئًا لا يحدث، أمدوا إسرائيل بكل ما يلزم لدعم اقتصادها في أوج عدوانها، وما خفي كان أعظم.

في غزة، لا تُكتب الإبادة فقط بقنابل إسرائيل، بل بصمت ودعم وتواطئ أنظمة عربية اختارت أن تعتبر أن أمن عروشها مبررا لتحريك الجيوش حتى ولو في مواجهة شعوبهم، بينما دماء الأطفال لا تحركها ولا تدفعها لموقف شريف.

لقد منح هؤلاء وأمثالهم الضوء الأخضر لاستمرار الجريمة، وأمدوا نتنياهو بما يلزم كي يواصل حرق غزة، فمن بن زايد إلى بن سلمان، ومن السيسي إلى عبد الله الثاني، ومن محمد السادس إلى كل من شارك بالصمت أو الدعم،هؤلاء شركاء في المذبحة، لا متفرجون عليها.

والتاريخ لن يرحم الذين باعوا فلسطين، لا بالصمت فقط، بل بالتواطؤ الكامل… والسكوت المريب.

فيديو. شاهد: دمار هائل جراء القصف الإسرائيلي على غزة بعد 10 أيام من الحرب |  Euronews