ما إن أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن خطته لإنهاء الحرب في قطاع غزة، حتى انهالت ردود الفعل الغاضبة والرافضة من شخصيات فلسطينية وعربية، معتبرة أن المبادرة ليست سوى غطاء جديد لشرعنة الاحتلال وتصفية القضية الفلسطينية. الخطاب الذي قُدِّم في البيت الأبيض بدا، بنظر كثيرين، أقرب إلى إعلان وصاية على غزة تحت مسمى “إدارة دولية”، بعيدًا عن أي اعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني السياسية والوطنية. هذه الردود، التي خرجت من غزة والعواصم العربية، بل ومن ناشطين وإعلاميين على مواقع التواصل الاجتماعي، تعكس حجم الهوة بين التصورات الأمريكية–الإسرائيلية وبين طموحات شعب يرزح تحت الاحتلال منذ أكثر من سبعة عقود.

غزة: إدراك عميق للوصاية المقنّعة
أول الأصوات الرافضة جاء من إسماعيل الثوابتة، مدير المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، الذي شدّد على أن الخطة لا تمثل حلاً موضوعياً منصفاً، بل هي محاولة لإضفاء شرعية جديدة على الاحتلال. وكتب الثوابتة عبر منصة “إكس” أن أي مقترحات تتجاهل الحقوق الفلسطينية وتتعامل مع غزة ككيان أمني منزوع السيادة تحت إدارة دولية “مرفوضة جملة وتفصيلاً”، معتبراً أنها تمس الوعي الجمعي الفلسطيني الذي لا يمكنه القبول بغير التحرر الكامل من الاحتلال.
محمد الرنتيسي، نجل القيادي الراحل عبد العزيز الرنتيسي، كان أكثر صراحة حين وصف المبادرة بأنها “استبدال جيش الاحتلال الصهيوني بجيش عربي صهيوني”، معبّراً عن رفض مطلق لهذه الفكرة، مؤكداً أن أي قرار بيد الفلسطينيين يجب أن ينطلق من إيمانهم بأن ما يجري لن يغير من مسار المقاومة وقدرها.
أما الصحفي الغزّي عبد الله العطار، فقد اعتبر أن الخطة “تمهيد لنهاية غزة” بغطاء أمريكي، قائلاً إنه يعيش تحت الإبادة منذ عامين لكن المأساة ممتدة منذ أكثر من 75 عاماً من تهجير وحصار وقتل، وأن الحديث عن حلول أمريكية لا يعدو كونه استمراراً لسياسات النكبة ذاتها.
أصوات إعلامية: حجز أساس لـ”شرق أوسط جديد”
من جهتها، رأت الصحفية منى العمري أن الخطة ليست سوى حجر أساس لمشروع الشرق الأوسط الجديد، معتبرة أنها لا تهدف إلى وقف الإبادة الجماعية في غزة بقدر ما تسعى إلى رسم خريطة إقليمية تُطوّع الفلسطينيين وتجعلهم مجرد تابعين في نظام إقليمي يخدم المصالح الأمريكية والإسرائيلية. العمري وصفت الخطة بأنها “وضع ليُرفض”، مؤكدة أن الهدف منها فرض واقع استسلامي لا يمكن للفلسطينيين ولا للشارع العربي القبول به.
البعد العربي: إحباط واتهامات بالخذلان
الانتقادات لم تقتصر على الداخل الفلسطيني. عربياً، عبّر المرشح الرئاسي المصري السابق محمد البرادعي عن شعور عميق بالأسى بعد استماعه للمؤتمر الصحفي في البيت الأبيض، معتبراً أن الخطة ليست سلاماً بل “مخطط خنوع وإذعان”. كلمات البرادعي عكست قلقاً أوسع من أن تتحول المنطقة كلها إلى مسرح لفرض أجندات تتجاوز الشعوب وتختزلها في حسابات أمنية واقتصادية ضيقة.
أما الوزير اليمني الأسبق خالد الروشان فقد ذهب أبعد حين وصف الخطة بأنها “مبادرة لاجتثاث المشروع الوطني الفلسطيني برمته”، مشيراً إلى أن القبول ببنودها يمثل صفعة للشعوب والدول المناصرة لفلسطين، ودليلاً على حجم الخذلان العربي لغزة.
قراءة في الدلالات: بين تصفية الحقوق وإعادة رسم المشهد
مجمل هذه الردود تكشف إدراكاً واسعاً بأن خطة ترامب ليست سوى نسخة جديدة من مشاريع تصفية القضية الفلسطينية. فالمبادرة لا تتحدث عن دولة فلسطينية مستقلة، ولا عن حق العودة، ولا حتى عن ضمانات لإنهاء الاحتلال، بل تقدم مقاربة أمنية–إدارية تفصل غزة عن عمقها الوطني، وتحوّلها إلى منطقة خاضعة لإدارة دولية أو عربية منزوعة الإرادة.
في جوهرها، تكرّس الخطة الرواية الإسرائيلية التي تعتبر غزة مجرد “مشكلة أمنية” تحتاج إلى إدارة، لا شعباً له حقوق مشروعة في الحرية والاستقلال. وهو ما يفسّر رفض الفلسطينيين لها باعتبارها محاولة لإنهاء قضيتهم التاريخية تحت ستار “السلام”.
خاتمة: الطريق المسدود ومصير المنطقة
ردود الفعل المتباينة، من غزة إلى العواصم العربية، تؤكد أن خطة ترامب تمثل بالنسبة لكثيرين ليس بداية الحل، بل تمهيداً لتأبيد المأساة الفلسطينية. فهي مشروع يفتقد إلى الاعتراف بالحقوق الأساسية، ويحوّل القضية من صراع تحرر وطني إلى ملف إداري أمني قابل للتلاعب.
وبينما يسعى البعض لتسويق المبادرة كخطوة نحو الاستقرار، فإن واقع الحال يشير إلى أنها مجرد محطة جديدة في مسار “الشرق الأوسط الجديد” الذي يهدف إلى إعادة رسم المنطقة على حساب الفلسطينيين. وفي ظل استمرار الإبادة في غزة، يصبح الرفض الشعبي والسياسي لهذه الخطة جزءاً من معركة أوسع للحفاظ على بوصلة القضية الفلسطينية من التصفية والانزلاق نحو وصاية جديدة لا تختلف كثيراً عن الاحتلال نفسه.
اقرأ أيضًا : السفير الأمريكي لدى دولة الاحتلال يزور مصر.. زيارة مفاجئة تحمل رسائل معقدة