أكد رئيس حركة المقاومة الإسلامية (حماس) في غزة، خليل الحية، في مقابلة مع قناة الجزيرة، أن الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة انتهت فعلياً، مستشهداً بتصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب وتصريحات مسؤولين أميركيين متكررة تصب في الاتجاه نفسه. وقال الحية إن الاحتلال الإسرائيلي فشل في تحقيق أيٍّ من أهدافه خلال عامين من الحرب الطاحنة التي دمّرت القطاع وأرهقت المجتمع الفلسطيني، مضيفاً أن المقاومة تعاملت بـ”حكمة ومسؤولية” بعد وقف إطلاق النار، وسلمت عشرين أسيراً إسرائيلياً خلال 72 ساعة، إلى جانب تسليمها 17 من أصل 28 جثة لجنود قُتلوا في المعارك.
وكشف الحية أن فرق البحث ستدخل غداً مناطق جديدة للعثور على بقية الجثامين، مشيراً إلى أن حماس لا تريد منح الاحتلال أي ذريعة لاستئناف العدوان، مؤكداً أن الحركة تتصرف من موقع المسؤولية الوطنية لا الانفعال الميداني. وأوضح أن حماس، رغم كل ما تعرض له القطاع من تدمير، ما زالت تحافظ على حضورها التنظيمي والعسكري والإنساني، في حين يعيش الاحتلال مأزقاً سياسياً وأمنياً بعد خسائره المتراكمة.

حماس مستعدة لتسليم الإدارة في غزة
وفي تطور سياسي لافت، أعلن الحية أن حماس لا تتحفظ على أي شخصية وطنية مستقلة من أبناء غزة لتولي إدارة القطاع، مؤكداً استعداد الحركة لتسليم كامل مقاليد الإدارة، بما في ذلك الملف الأمني، إلى لجنة وطنية من التكنوقراط، في إطار التفاهمات الجارية بين الفصائل الفلسطينية برعاية مصرية. وأضاف أن هناك توافقاً مع حركة فتح بشأن مهام القوات الدولية المقترحة للفصل ومراقبة وقف إطلاق النار، إلى جانب تفاهمات مع مختلف الفصائل الفلسطينية حول دور الهيئة الأممية في إعادة إعمار غزة.
وشدد الحية على أن هدف المرحلة المقبلة هو إعادة توحيد الصف الوطني عبر انتخابات عامة تمهد لسلطة فلسطينية موحدة. وقال: “الشعب واحد ويريد حكومة واحدة، ولن تستقيم أوضاعنا دون وحدة القرار والمؤسسات”.
وأكد القيادي البارز في حماس أن حركته لا تسعى للهيمنة على إدارة غزة، بل ترغب في تحقيق استقرار شامل يتيح إعادة الإعمار وتحسين الوضع الإنساني، مشيراً إلى أن حماس نقلت للمبعوثين الأميركيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر خلال لقائهما الأخير أن الحركة “من دعاة الاستقرار”، وأن ترامب هو “الطرف القادر على لجم الاحتلال ودفعه لاحترام الاتفاق”.
سلاح المقاومة.. بين الثبات والبحث عن صيغة وطنية
تناول الحية كذلك ملف سلاح المقاومة الذي يشكل أبرز نقاط الخلاف في مرحلة ما بعد الحرب، مؤكداً أن السلاح مرتبط بوجود الاحتلال والعدوان، وأنه “حين ينتهي الاحتلال، سيتحول السلاح إلى سلاح الدولة الفلسطينية”. لكنه أوضح أن القضية لا تزال موضع نقاش بين الفصائل والوسطاء، وأن الاتفاق بشأنها في بداياته، مضيفاً: “حماس لن تتخذ أي موقف منفرد دون توافق وطني شامل”.
ويرى مراقبون أن هذا التصريح يشير إلى مرونة تكتيكية من حماس، دون التخلي عن مبدأ المقاومة المسلحة، وهو ما يعكس توازناً بين مقتضيات السياسة ومتطلبات الأمن الوطني في مرحلة ما بعد الحرب. فالحركة تدرك أن السلاح كان عاملاً رئيسياً في ردع الاحتلال، لكنها أيضاً تدرك أن الحفاظ على الإنجاز السياسي يتطلب لغة جديدة من الواقعية والانفتاح على الحلول المرحلية.
وأكد الحية أن الضفة الغربية تعيش تحت “سطوة استيطان خانق”، داعياً إلى ترتيب البيت الفلسطيني على قاعدة المقاومة والشراكة، وإلى دعم كل المبادرات التي تعيد للضفة قدرتها على الصمود، مشيراً إلى أن الاحتلال يحاول تعويض فشله في غزة بتوسيع السيطرة الاستيطانية في الضفة والقدس.
القوات الدولية والملف الإنساني.. اختبار النوايا
وفي ما يتعلق بوجود قوات أممية في غزة، أوضح الحية أن حماس تقبل بوجودها كقوات فصل ومراقبة للحدود ووقف إطلاق النار، شرط ألا تتحول إلى غطاء للهيمنة الإسرائيلية أو وسيلة لتجريد المقاومة من حقها في الدفاع. وقال إن “قضية الأسرى وطنية بامتياز”، مؤكداً أن حماس تعمل على إنهاء معاناة جميع الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال، رغم تعنت تل أبيب في ملفات الأسماء والمفاوضات الجزئية.
أما في الشق الإنساني، فقد شدد الحية على أن القطاع يحتاج يومياً إلى نحو 6 آلاف شاحنة مساعدات وليس 600 فقط، منتقداً العراقيل الإسرائيلية التي تؤخر دخول المواد الأساسية وكأن “الحرب لم تتوقف بعد”. وأوضح أن الوضع الإنساني لا يزال متدهوراً وأن الخروقات الإسرائيلية “تعرض الاتفاق الهش للانهيار”، داعياً الوسطاء إلى الضغط على تل أبيب لتطبيق التزاماتها.
وأضاف أن حماس غير راضية عن حجم المساعدات الحالية، معتبرًا أن الأزمة الإنسانية تمثل “قنبلة موقوتة” قد تفجر أي ترتيبات سياسية إن لم تُعالج بجدية. وختم حديثه بالتأكيد على أن المقاومة قدّمت مرونة غير مسبوقة لصالح الشعب الفلسطيني، وأن الفشل الإسرائيلي في تحقيق أهدافه واستهدافه المتكرر للدوحة “شكّل انتكاسة سياسية وأمنية غير مسبوقة في تاريخ إسرائيل”.
خلاصة المشهد
تكشف تصريحات خليل الحية عن تحول نوعي في خطاب حماس من إدارة الحرب إلى إدارة ما بعدها؛ إذ تتعامل الحركة اليوم بلغة “الدولة والمسؤولية” لا “الاشتباك”، مع حفاظها على ثوابتها المتعلقة بالسلاح والمقاومة. وفي الوقت نفسه، فإن الانفتاح على فكرة الإدارة المشتركة والقبول بالقوات الدولية والإشراف الأممي على الإعمار يعكس براغماتية سياسية جديدة تسعى من خلالها الحركة إلى كسر الحصار وإعادة إدماج غزة في النظام السياسي الفلسطيني والعربي.
وبينما تحاول واشنطن وتل أبيب رسم مستقبل غزة بما يتناسب مع مصالحهما، تبدو حماس في خطاب الحية حريصة على إعادة تعريف المعادلة: لا إدارة دون فلسطينيين، ولا سلام دون عدالة، ولا تهدئة دائمة دون إنهاء الاحتلال.
اقرأ أيضًا : احتلال بصورة جديدة.. واشنطن تُمسك خيوط غزة عبر بوابة التنسيق الإنساني