في خطوة تكشف عن تحوّل خطير في إدارة ما بعد الحرب على غزة، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية، الجمعة، تعيين سفيرها لدى اليمن ستيفن فاجن قائداً مدنياً لمركز جديد يُعنى بتنفيذ اتفاق السلام في غزة، وإدارة إدخال المساعدات الإنسانية إلى القطاع.
لكن خلف هذا الإعلان، الذي يبدو في ظاهره عملاً إنسانياً، تتشكل ملامح نظام وصاية أميركي – إسرائيلي يهدف إلى الإمساك بالقرار الفلسطيني في غزة، وتحويل العمل الإغاثي إلى أداة سياسية لإعادة تشكيل الواقع الميداني وفق الرؤية الأميركية.
ويأتي هذا التطور بعد زيارة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إلى مركز التنسيق المدني العسكري الذي أُقيم جنوب إسرائيل، حيث تعهّد بانضمام مزيد من الدبلوماسيين الأميركيين إلى ما يقارب 200 جندي أميركي ينتشرون في المنطقة في إطار ما يُعرف بخطة ترامب للسلام المؤلفة من 20 نقطة.

خطة ترامب تتجدّد بثوب “إنساني”
الولايات المتحدة، وفق البيان الرسمي، أوكلت إلى فاجن مهمة قيادة الشق المدني لمركز التنسيق التابع للقيادة المركزية الأميركية، التي عيّنت بدورها الجنرال باتريك فرانك قائداً عسكرياً للمركز.
لكن خلف هذا الهيكل المزدوج، يتضح أن واشنطن تسعى إلى إنشاء بنية إدارة ميدانية بديلة عن المؤسسات الفلسطينية، بحيث تتحكم في عمليات إدخال المساعدات، وتقرر من يشارك في إعادة الإعمار ومن يُستثنى منه.
ويُذكر أن فاجن، الذي يشغل منصب سفير الولايات المتحدة لدى اليمن منذ عام 2022، لم يمارس مهامه فعلياً من داخل البلاد بسبب سيطرة جماعة الحوثي على العاصمة صنعاء، ما يجعله خبيراً في إدارة الملفات المعقدة عن بُعد — تجربة ربما رأت واشنطن أنها مناسبة لتطبيقها في غزة، حيث تتشكل سلطة مدنية – عسكرية هجينة تعمل من خارج القطاع وتتحكم في تفاصيله من خلال ما يُسمى “الجهد الإنساني”.
“حزام غزة الإنساني”.. هندسة جديدة للواقع
في السياق ذاته، كشفت وكالة “رويترز” أن واشنطن تدرس مقترحاً بديلاً لما يسمى بـ”مؤسسة غزة الإنسانية”، يتضمن إنشاء ما يُعرف بـ**”حزام غزة الإنساني”** — شبكة من 12 إلى 16 مركزاً تمتد على طول الخط الذي انسحب إليه جيش الاحتلال داخل القطاع.
وبحسب الوثيقة التي اطلعت عليها الوكالة، ستُقام هذه المراكز لتقديم المساعدات للفلسطينيين على جانبي الخط، لكنها ستُستخدم أيضاً كمواقع لـ”المصالحة الطوعية”، حيث يمكن لمن تصفهم الخطة بـ”المسلحين” تسليم أسلحتهم مقابل العفو.
ويبدو أن واشنطن تسعى من خلال هذه المراكز إلى فرض نظام إدارة أمني مموّه بالعمل الإنساني، إذ سيُعاد تعريف المقاومة المسلحة كـ”عقبة أمام الإغاثة”، بينما تُقدَّم عملية نزع السلاح بوصفها خطوة نحو “الاستقرار” — وهو الخطاب ذاته الذي استخدمته الولايات المتحدة في العراق وأفغانستان وليبيا سابقاً لتبرير التدخل والسيطرة غير المباشرة.
الفشل الأميركي السابق في “غزة الإنسانية”
التحرك الأميركي الجديد جاء بعد فشل مشروع “مؤسسة غزة الإنسانية” الذي كانت واشنطن تموله، والذي تحوّل إلى مصيدة موت للفلسطينيين. فوفقاً للبيانات الميدانية، استُشهد أكثر من 2650 فلسطينيًا برصاص الاحتلال في محيط مراكز التوزيع التابعة لتلك المؤسسة، فيما أصيب أكثر من 19 ألفاً، ولا يزال نحو 200 شخص في عداد المفقودين.
ذلك الفشل جعل واشنطن تبحث عن بديل أكثر فاعلية — أو بالأحرى أكثر إحكاماً للسيطرة — لتطبيق الرؤية الأمنية التي تربط الإغاثة بإعادة الهيكلة السياسية والأمنية للقطاع.
الوجه الحقيقي للقيادة المشتركة
المركز الذي يقوده فاجن وفرانك ليس مجرد هيئة إنسانية، بل هو غرفة عمليات مشتركة بين البنتاغون ووزارة الخارجية، تُنسّق مع إسرائيل ومصر وعدد من الدول الأوروبية، ضمن ما يُعرف بـ”قوة الاستقرار” التي يجري تشكيلها لتأمين المناطق المنسحب منها جيش الاحتلال.
لكن اللافت أن واشنطن لم تذكر أي دور فعلي للسلطة الفلسطينية أو أي جهة تمثل الفصائل الوطنية، ما يعزز المخاوف من أن تكون هذه الخطوة احتلالاً ناعماً يُدار من الخارج عبر شبكة موظفين دوليين ودبلوماسيين وجنود تحت شعار المساعدات.
احتلال بصورة جديدة
يقرأ محللون هذا التحرك على أنه تدويل للسيطرة على غزة بعد فشل الاحتلال في فرض نموذج حكم محلي بالقوة العسكرية.
فبدلاً من بقاء الجيش الإسرائيلي بشكل مباشر، يجري الآن إحلال منظومة أمنية – إنسانية تتولى فيها واشنطن إدارة القطاع عملياً، وتحدد من يدخل ومن يخرج، ومن يتلقى الغذاء ومن يُحرم منه.
وهكذا تتحول المساعدات إلى أداة هندسة اجتماعية وسياسية، تُعيد تشكيل المجتمع الفلسطيني وتفكك البنية التنظيمية للمقاومة تدريجياً تحت لافتة “إعادة الإعمار والسلام”.
ويحذر خبراء من أن هذا النوع من “الاحتلال غير العسكري” أخطر من الاحتلال المباشر، لأنه يسعى إلى إعادة صياغة وعي السكان وقبولهم بوجود دولي دائم في غزة، يُسوَّق بوصفه ضرورة إنسانية بينما هو في حقيقته إعادة إنتاج للوصاية القديمة بثوب جديد.
خاتمة: بين الإغاثة والهيمنة
تعيين السفير الأميركي لدى اليمن قائداً مدنياً لمركز التنسيق في غزة ليس خطوة بروتوكولية، بل جزء من هندسة سياسية جديدة تسعى من خلالها واشنطن إلى الإمساك بالملف الفلسطيني بالكامل، من الميدان إلى المساعدات.
فبينما تُرفع لافتة “السلام والإغاثة”، تتشكل طبقة جديدة من السيطرة المبطنة، تُعيد إنتاج معادلة الهيمنة على الأرض والقرار.
إنها صورة جديدة للاحتلال، تُدار بالخرائط الإنسانية وبطاقات التمويل، لا بالدبابات — لكنها في الجوهر احتلال بكل أدواته.
اقرأ أيضًا : قائد لواء “صيدنايا” بقبضة العدالة.. اعتقال أكرم سلوم العبد الله