دفعت المخاوف المتصاعدة من قدرة الحوثيين على إغلاق مضيق باب المندب، وتهديد ما تبقى من إيرادات قناة السويس، نظام السيسي إلى إعادة فتح قنوات اتصال أمنية مع الجماعة اليمنية، في محاولة لتجنب ضربة اقتصادية جديدة لا تحتملها الخزانة المصرية.

وكشف مصدر مصري مطلع أن السلطات شرعت خلال الأيام الماضية في إحياء اتصالاتها مع الحوثيين، بعيدًا عن وزارة الخارجية وعبر جهات أمنية سيادية، بهدف منع أي تصعيد قد يعطل حركة السفن في البحر الأحمر ويشل الطريق المؤدي إلى قناة السويس.

تهديد الحوثيين يربك القاهرة

جاء التحرك المصري بعد ورود معلومات عن طلب إيراني من الحوثيين الاستعداد لإغلاق مضيق باب المندب، في حال استهدفت الولايات المتحدة البنية التحتية للكهرباء في إيران.

ويمثل المضيق البوابة الجنوبية لقناة السويس، ولذلك فإن إغلاقه أو تعريض الملاحة فيه للخطر يعني عمليًا حرمان مصر من جزء كبير من حركة السفن العابرة للقناة، وتوجيه ضربة مباشرة إلى أحد أهم مصادر النقد الأجنبي في البلاد.

ويكشف لجوء القاهرة إلى التواصل المباشر مع الحوثيين حجم القلق داخل نظام السيسي، الذي وجد نفسه عاجزًا عن حماية إيرادات القناة بالقوة، ومضطرًا إلى طلب التهدئة من جماعة طالما تعامل معها الخطاب الرسمي والإعلامي بوصفها تهديدًا للأمن الإقليمي.

اتصالات أمنية بعيدًا عن الدبلوماسية

بحسب المصدر، لا تمر قنوات الاتصال مع الحوثيين عبر وزارة الخارجية، بل تديرها أجهزة أمنية وسيادية بعيدًا عن المسار الدبلوماسي التقليدي.

ويعكس ذلك حساسية الملف وخشية النظام من إعلان هذه الاتصالات، خصوصًا في ظل اصطفاف القاهرة سياسيًا وأمنيًا إلى جانب دول خليجية دخلت سابقًا في مواجهات مباشرة مع الحوثيين.

وفي الوقت نفسه، تواصل مصر اتصالاتها مع طهران، في محاولة لمنع توسيع الصراع أو اتخاذ خطوات تؤدي إلى إغلاق باب المندب وتعطيل الملاحة في البحر الأحمر.

طائرات السيسي في الإمارات تزيد المأزق

تزداد حساسية الموقف مع وجود مفرزة مقاتلات مصرية داخل الإمارات، وهو وجود كشفت عنه أبوظبي في مايو/أيار الماضي، عندما تفقد السيسي ومحمد بن زايد الوحدة المصرية المتمركزة هناك.

ويضع هذا الانتشار العسكري القاهرة أمام احتمال الانجرار إلى مواجهة أوسع إذا توسع الصراع بين إيران والولايات المتحدة وحلفائها الخليجيين، خصوصًا مع تحذيرات من إمكانية إقحام مصر طرفًا مباشرًا في النزاع.

وهكذا يحاول نظام السيسي إمساك العصا من المنتصف: طائراته متمركزة في الإمارات، وخطابه الرسمي يدين الهجمات الإيرانية، بينما تفتح أجهزته في الخفاء قنوات اتصال مع الحوثيين وطهران طلبًا للتهدئة.

قناة السويس تحت رحمة التطورات الإقليمية

لا تنبع مخاوف النظام من تهديد عسكري مباشر للأراضي المصرية بقدر ما ترتبط بالخوف من انهيار إضافي في إيرادات قناة السويس.

وكان السيسي قد أقر في مايو/أيار الماضي بأن مصر فقدت نحو 10 مليارات دولار من عائدات القناة نتيجة اضطراب الملاحة في باب المندب والبحر الأحمر على خلفية الحرب على غزة.

وتكشف هذه الخسائر مدى هشاشة الاقتصاد المصري واعتماده على ممر مائي لا تملك القاهرة السيطرة الكاملة على بوابته الجنوبية، فيما أصبحت قرارات الحوثيين وتحركات القوى الإقليمية قادرة على التأثير مباشرة في موارد الدولة المصرية.

نظام يطلب الأمان من الحوثيين

لسنوات، قدّم نظام السيسي نفسه باعتباره حامي الدولة والممرات البحرية والأمن القومي المصري، لكن التحرك الأخير يكشف تناقضًا صارخًا بين الخطاب والواقع.

فبدل امتلاك استراتيجية مستقلة لحماية البحر الأحمر، يجد النظام نفسه مضطرًا إلى التواصل مع الحوثيين والتوسل إلى إيران لعدم استخدام باب المندب ورقة ضغط، خشية أن تؤدي أي مواجهة جديدة إلى حرمانه من مليارات الدولارات.

ولا تمثل الاتصالات في ذاتها خطأً سياسيًا؛ فالتفاوض لتجنب الحرب أمر مشروع. لكن المفارقة أن النظام الذي يروّج لقوته العسكرية وينفق مليارات الدولارات على السلاح، لم يجد أمام تهديد الحوثيين سوى القنوات السرية والوساطات.

الخوف من الانهيار لا الحرص على السلام

تقدم القاهرة تحركاتها باعتبارها جهودًا دبلوماسية لحماية استقرار المنطقة وحرية الملاحة الدولية. لكن جوهر التحرك يبدو مرتبطًا بحماية إيرادات قناة السويس ومنع تفاقم أزمة الدولار داخل مصر.

فأي إغلاق لباب المندب سيؤدي إلى تحويل مزيد من السفن بعيدًا عن قناة السويس، ورفع أسعار النفط والنقل والتأمين، وزيادة تكلفة الاستيراد، في وقت يعاني فيه المصريون أصلًا من التضخم والديون وتراجع قيمة العملة.

وبذلك لا يتحرك نظام السيسي من موقع القوة أو المبادرة، بل تحت ضغط خوف اقتصادي واضح: خوف من الحوثيين، وخوف من فقدان القناة، وخوف من أن تكشف أزمة جديدة حجم هشاشة الاقتصاد الذي بناه على الديون والمساعدات وتدفقات الدولار.