في الوقت الذي كانت فيه أنظار العالم تتجه صوب الشاشات لمتابعة صخب واحتفالات حفل افتتاح نسخة كأس العالم لعام 2026، كان الاحتلال الإسرائيلي يكتب فصلاً جديداً من فصول حرب الإبادة الجماعية بدم بارد، مستغلاً الانشغال الدولي لتمرير أبشع المجازر تحت جنح الظلام. حيث عاش سكان قطاع غزة ليلة مرعبة من القصف العنيف والمتواصل الذي تواصل حتى فجر الجمعة، لتؤكد المشاهد والمجازر المستمرة أن آلة القتل الصهيونية لا تتوقف، بل تجد في المناسبات الدولية الكبرى غطاءً مثالياً لتكثيف جحيمها على المدنيين المحاصرين.
وجاء القصف المدفعي الهمجي فجر الجمعة ليستهدف مباشرة مدرسة “أبو حسين” التي تؤوي آلاف النازحين المشردين في مخيم جباليا شمالي القطاع، مما أسفر عن إصابة خمسة فلسطينيين بجروح متفاوتة نقلوا على إثرها إلى المستشفيات؛ وتزامن هذا القصف مع هجوم مكثف للطائرات المسيّرة الإسرائيلية التي أطلقت النار بكثافة وألقت القنابل المتفجرة في محيط مفترق السنافور بحي التفاح شمال شرقي مدينة غزة، لتبث الرعب في صفوف الأهالي وتمنع طواقم الإسعاف من التحرك الحر لإنقاذ الضحايا.

أحزمة نارية تلتهم وسط القطاع وتشريد عشرات العائلات
ووثقت عدسات الصحفيين ونشطاء العمل الإنساني لقطات قاسية ومشاهد تفوق الوصف عاشها سكان مخيم المغازي ومدينة دير البلح في وسط قطاع غزة، إثر غارات جوية عنيفة شنتها الطائرات الحربية الإسرائيلية مستهدفة مربعات سكنية وأراضي زراعية محيطة بالمنازل؛ وأسفرت هذه الغارات عن تدمير كامل لمنزلين يعودان لعائلتي “العايدي” و”الخميسي” في مخيم المغازي، عقب إنذارات إخلاء إجبارية قسرية، مما ألحق أضراراً بالغة ودماراً واسعاً بعشرات المنازل المجاورة المأهولة، ودفع عشرات الأسر إلى النزوح والهيام على وجوههم في الظلام بحثاً عن أمان مفقود.
وفي دير البلح، دمرت غارة جوية إسرائيلية مبنى سكنياً آخر كلياً بعد استهداف أرض مجاورة له، محدثة كتلة نارية ضخمة اهتزت لها أرجاء المنطقة وأسفرت عن أضرار جسيمة في البنية التحتية والمباني المحيطة؛ أما في خان يونس جنوبي القطاع، فقد واصل جيش الاحتلال الإسرائيلي عمليات التطهير العرقي عبر تنفيذ عمليتي نسف مربعات سكنية ومنشآت مدنية كاملة في المناطق الشرقية للمدينة، حيث سُمع دوي الانفجارات الهائلة في مناطق واسعة من القطاع، مخلفة ركاماً هائلاً يطمس معالم الحياة.
صرخة من داخل الحصار: العالم يحتفل وغزة تموت في طي النسيان
وحظيت لقطات الدمار والنيران المتصاعدة بردود فعل واسعة وغاضبة على منصات التواصل الاجتماعي، حيث تداول الناشطون صور المجازر الإسرائيلية بالتزامن مع صور افتتاح المونديال، في محاولة بائسة لافتداء وعي العالم ودعوة الشعوب إلى الالتفات نحو حرب الإبادة في القطاع المحاصر؛ وعبر الصحفي محمد هنية عن مرارته وأسفه الشديد، مشيراً إلى أن هذا الجحيم المتساقط على رؤوس الأبرياء لا يلقى أي قدر من الاهتمام أمام الصخب العالمي، مؤكداً أن غزة أصبحت طي النسيان وكأن أشلاء الأطفال غير موجودة.
ومن قلب المعاناة، تحدثت الصحفية بيسان الشرافي عن الواقع المأساوي المفروض، مؤكدة أن الزمن توقف تماماً في هذه البقعة الجغرافية المعزولة منذ أكتوبر من عام 2023، حيث لا يعلو أي شيء فوق مشهد النيران والرعب، والألم، والموت، والجوع؛ ووصفت الشرافي كيف يسير كل شيء في العالم الخارجي ويتقدم ويتبدل، بينما تبقى غزة وحدها تواجه الموت اليومي المستمر منذ بداية المحرقة؛ إن استمرار القصف الصهيوني وتصاعده مع انطلاق المونديال يثبت بوضوح مدى التواطؤ الدولي والصمت العالمي الذي يمنح القاتل الضوء الأخضر لمواصلة جريمته دون خوف من محاسبة أو ملاحقة.
اقرأ أيضًا : بتمويل إماراتي وغطاء سياسي للمجرمين.. انتهاكات صارخة واستهدافات بحق الصحفيين