في خطوة تعبّر عن بداية مسار التغيير الجذري في السياسة الخارجية السورية بعد إسقاط نظام بشار الأسد، قررت وزارة الخارجية الجديدة بقيادة أسعد الشيباني سحب اثنين من أبرز السفراء المحسوبين على النظام السابق، وهما بشار الجعفري في موسكو وأيمن سوسان في الرياض. 

هذا القرار، على بساطته الإدارية، يحمل بين طياته دلالات سياسية عميقة ورسائل موجهة داخلياً وخارجياً، تدشن لمرحلة جديدة تسعى فيها الحكومة الانتقالية إلى إعادة بناء جهازها الدبلوماسي على أسس الثورة والشرعية الجديدة.

أول قرارات “التطهير الدبلوماسي”: نهاية رموز الدفاع عن الأسد

يمثل سحب الجعفري وسوسان من مناصبهما أولى الخطوات العلنية لما يمكن اعتباره “عملية تطهير دبلوماسي” من إرث الأسد.

فكلا الرجلين ليسا مجرد موظفين في السلك الدبلوماسي، بل يشكلان ركيزتين أساسيتين للدبلوماسية الدعائية التي اعتمد عليها النظام المخلوع طيلة سنوات الثورة.

الجعفري، المعروف بخطابه المتشدد ومرافعاته الحماسية دفاعًا عن الأسد في الأمم المتحدة، كان لسنوات الواجهة الرسمية للنظام في المحافل الدولية، والمُعبّر عن سياساته القمعية بحجج سيادية ومصطلحات دبلوماسية منحازة.

أما أيمن سوسان، الذي عُيِّن في فترة إعادة التقارب بين دمشق والرياض، فقد لعب دورًا في ترميم العلاقات بعد عزلة عربية طويلة، لكنه بقي وفيًّا لنهج النظام السابق، وواجه انتقادات حادة من المعارضة بسبب تصريحاته المهادنة وتحركاته التي صبت في خدمة أجندة الأسد.

وبذلك، لا يُقرأ هذا القرار كحركة إدارية دورية فحسب، بل كبداية لمراجعة شاملة للعلاقات الخارجية السورية وشخصياتها، وتأكيد على نية الحكومة الانتقالية التخلص من جميع الوجوه المرتبطة بالنظام المخلوع، مهما كان ثقلها الدبلوماسي.

رسائل سياسية من دمشق إلى موسكو والرياض

لا يخفى أن اختيار موسكو والرياض كأول محطتين لهذا القرار يحمل دلالات خاصة، فروسيا كانت الراعي الأكبر والداعم الأبرز لنظام الأسد منذ 2015، وقدّمت له الغطاء الجوي والسياسي الذي مكّنه من الصمود رغم انهياره الشعبي.

وبسحب الجعفري من موسكو، توجه الحكومة الجديدة رسالة واضحة بأن مرحلة التبعية للكرملين قد انتهت، وأن العلاقة مع روسيا تحتاج لإعادة توازن على أسس المصالح السورية لا على وقع الإملاءات العسكرية والسياسية.

وفي المقابل، فإن قرار سحب سوسان من السعودية يأتي في ظل محاولات الرياض الحفاظ على تقاربها مع الوضع السوري الجديد، بعد سنوات من التقلب بين دعم المعارضة ثم العودة إلى العلاقات مع الأسد في إطار “التطبيع العربي”. 

وقد يُفهم هذا الإجراء كمحاولة من الحكومة الجديدة لإعادة ترتيب أوراق العلاقة مع المملكة بما ينسجم مع رؤية سوريا ما بعد الأسد، بعيدًا عن الصفقات السياسية التي مرّت على حساب الشعب السوري.

إذن، فالحكومة الجديدة لا تكتفي بإرسال إشارات تغيير داخلية، بل تسعى عبر هذه التحركات إلى إعادة صياغة علاقاتها الإقليمية والدولية من موقع أكثر استقلالية وشرعية، ما يجعل من هذا القرار مقدمة لتحولات أوسع في السياسة الخارجية السورية.

المؤسسات تنفصل عن الماضي: نحو دبلوماسية جديدة بثوب الثورة

ما بين لحظة دخول الفصائل إلى دمشق في ديسمبر الماضي، وحتى قرار اليوم بسحب سفراء النظام القديم، بدأت تتضح ملامح مشروع سياسي يسعى لإعادة بناء الدولة ومؤسساتها، بما فيها الخارجية، على أسس الثورة والتمثيل الحقيقي.

قرار الشيباني هو خطوة أولى في بناء دبلوماسية جديدة تعبر عن قيم التحرر والاستقلال، لا عن تحالفات القمع والاستبداد.

لكن التحدي الأكبر الذي يواجه الحكومة الجديدة هو ملء الفراغ بممثلين دبلوماسيين جدد يمتلكون القدرة على كسب الدعم الدولي والترويج لرؤية سوريا المستقبل. فبينما يتم تسيير السفارات حالياً عبر قائمين بالأعمال، ينتظر الشارع السياسي والدولي معرفة من سيخلف الجعفري وسوسان، وما إذا كانت الأسماء الجديدة ستعبّر عن فعلاً عن القطيعة مع الماضي أم لا.

كذلك، فإن عملية إعادة الهيكلة الدبلوماسية ستحتاج إلى وقت طويل وإرادة سياسية قوية، خاصة أن الجهاز الإداري السوري الخارجي ظل لعقود أداة طيعة بيد الأمن والرئاسة، ومن الصعب تفكيك هذه الشبكة دون صراع مع البيروقراطية القديمة وشبكات النفوذ المرتبطة بها.

مرحلة إعادة البناء تبدأ من الخارج

بإقدامها على سحب سفراء النظام في موسكو والرياض، بدأت الحكومة الانتقالية خطوة رمزية لكنها مؤثرة في إعادة هيكلة الدبلوماسية السورية.

هذه الخطوة تُعد إعلانًا بأن التغيير في سوريا لن يكون فقط على مستوى الحكم والسياسة الداخلية، بل سيمتد إلى صورة سوريا في الخارج، إلى خطابها، وممثليها، ورسائلها إلى العالم.

ومع استمرار قرارات “تفكيك النظام المخلوع”، يبدو أن سوريا تدخل فعليًا في مرحلة جديدة من رسم ملامح هويتها السياسية والدبلوماسية. ومع تعيين رئيس انتقالي، وحل البرلمان وحزب البعث، وسحب سفراء الأسد… فإن الثورة السورية تعيد تعريف الدولة من جذورها، من الداخل والخارج.

اقرأ أيضًا : الإضراب العالمي يبدأ نصرة لغزة.. انتفاضة شعبية تتوسع ورفض عالمي للمجازر الإسرائيلية