العدسة | تحقيق خاص

في سابقة خطيرة تعكس حجم التورط الإماراتي في خدمة المشروع الصهيوني، أكدت مصادر موثوقة أن الإمارات نشرت رادارًا إسرائيليًا من طراز ELM-2084 MMR – المستخدم في منظومة القبة الحديدية – في مدينة بوصاصو بمنطقة بونتلاند شمال شرق الصومال. في خطوة لا يمكن فهمها إلا في إطار التحالف العلني بين أبوظبي وتل أبيب، الذي لم يكتفِ ببيع فلسطين والتطبيع مع القتلة، بل بات يتمدد اليوم في عمق إفريقيا، ويفتح منافذ استراتيجية للاحتلال على البحر الأحمر.

ما كان يمكن أن يُعد مشروعًا عسكريًا عابرًا تحوّل إلى بوابة جديدة لاختراق الأمن القومي العربي والإسلامي، بغطاء إماراتي وتمويل إماراتي، وسكوت رسمي مخزٍ. الإمارات، التي تزعم أن هذه الأنظمة لحماية الممرات البحرية، تنفذ فعليًا أجندة إسرائيلية توسعية تستهدف تطويق اليمن، ومراقبة البحر الأحمر، وتعزيز قبضة الاحتلال على الممرات الاستراتيجية الممتدة من بحر العرب إلى باب المندب وقناة السويس.

النظام الإماراتي يُدخل القبة الحديدية إلى الصومال… سرًا

بدأت القصة حين كشفت صور أقمار صناعية في مارس 2025 وجود هيكل رادار متطور قرب مطار بوصاصو، الذي تسيطر عليه الإمارات تحت غطاء تدريب قوات بحرية محلية. وسرعان ما تبيّن أن هذا الهيكل هو رادار إسرائيلي الصنع من طراز ELM-2084، أكدت صحف ومصادر عسكرية أنه تم تركيبه بموجب اتفاق سري بين أبوظبي ورئيس ولاية بونتلاند الانفصالية، دون علم الحكومة الفيدرالية الصومالية أو برلمان الولاية. هذه الخطوة تعني ببساطة أن الإمارات لا تكتفي بالتطبيع، بل تخون الإجماع العربي والإسلامي، وتتجاوز السيادة الوطنية لدول شقيقة، وتزرع قواعد الاحتلال فوق أراضٍ إفريقية بوصفها رأس حربة مشروع إقليمي خبيث.

الأمن الإسرائيلي يتمدد في إفريقيا بغطاء إماراتي

الرادار الذي تم تركيبه هو نفسه الذي يشكل العمود الفقري لمنظومة القبة الحديدية الإسرائيلية، بقدرات تتبع تتجاوز 470 كم، ويستطيع رصد أكثر من 1000 هدف في وقت واحد، بين صواريخ وطائرات ومسيرات. وجود مثل هذا النظام في أقصى شرق الصومال يمنح الإمارات وإسرائيل قدرة إنذار مبكر غير مسبوقة، تمتد من البحر العربي إلى عمق اليمن، بل وقد تتيح لتل أبيب متابعة الأجواء على طول خليج عدن حتى باب المندب، ما يجعل هذا الرادار خادمًا مباشرًا لأهداف عسكرية إسرائيلية.

كل ذلك يُدار تحت مظلة “حماية الملاحة” و”مكافحة الإرهاب”، بينما الواقع يقول إن ما يُبنى هناك هو منظومة مراقبة إسرائيلية عبر أدوات عربية، تُستخدم لتأمين الاحتلال من ضربات المقاومة في اليمن، وتحصينه من مفاجآت أي جبهة جنوبية، سواء من الحوثيين أو غيرهم.

القضية لا تتوقف عند هذا الرادار، فوفق الوثيقة والتحليلات العسكرية، ما يجري في بوصاصو هو جزء من مشروع استراتيجي واسع يتضمن شبكة متكاملة من القواعد والمواقع التي تديرها الإمارات، وتربطها ببعضها البعض برادارات ومنصات مراقبة وجمع معلومات، وبتنسيق إسرائيلي مباشر. الحديث لا يدور فقط عن الصومال، بل عن سقطرى، بريم، عبد الكوري، وربما مستقبلاً جيبوتي أو إريتريا.

 

من حماية الموانئ إلى حماية إسرائيل

المخزي في كل ما سبق، أن أبوظبي – التي تدعي الحفاظ على استقرار المنطقة – تتحول فعليًا إلى وكيل أمني للاحتلال في هذه المنطقة الحساسة، وتمنحه ما لا تحلم به أي دولة محتلة: عمق استراتيجي على بعد مئات الكيلومترات من تل أبيب، بموافقة دولة عربية، وبتمويل من خزائن عربية، وبغطاء إنساني كاذب.

وإذا كان وجود الاحتلال في الصومال أو إثيوبيا أو إريتريا قديمًا كان يتم عبر التسلل الاستخباراتي، فإن ما يحصل اليوم هو دخول علني عبر البوابة الإماراتية، بعد اتفاقيات التطبيع. لا حاجة لتل أبيب لإرسال جيوشها، فالميدان مفتوح أمامها، والإحداثيات تصدر من قواعد تحت إدارة الحليف العربي.

ما الذي يعنيه كل هذا؟ يعني أن الإمارات باتت اليوم شريكًا عسكريًا مباشرًا في مشروع الاحتلال، وأنها تُسهم في حماية الأمن الإسرائيلي أكثر مما تحمي أمن أي دولة عربية أو إسلامية. يعني أن دولة عربية، ترفع علمًا رسميًا، وتمتلك تمثيلًا في الجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، قد قررت أن تكون عينًا للاحتلال في خاصرة إفريقيا، وأن تزرع رادارات الاحتلال في قلب العمق الإفريقي.

والأسوأ أن هذه الخطوة تمّت دون أي تنسيق مع الحكومة المركزية في الصومال، وهو ما يعتبر انتهاكًا فاضحًا لسيادة دولة شقيقة، كانت الإمارات تزعم أنها تدعمها. فالتقارير تؤكد أن الاتفاق تم مع سلطات انفصالية في بونتلاند، دون علم أو موافقة مقديشو، ما يُعد تجاوزًا خطيرًا وخيانةً لعلاقات الأخوة الإسلامية والأفريقية.

من يراقب التصريحات الإماراتية الرسمية، يجد صمتًا كاملاً. ومن يتابع الإعلام الرسمي الإماراتي، يرى تباهيًا بقدرات أبوظبي على “حماية الممرات البحرية” بينما هي تُسلم هذه الممرات على طبق من ذهب للاحتلال.

في كل هذا السياق، فالسؤال الحقيقي هو: من الذي منح الإمارات الحق بأن تُقيم قواعد استخباراتية للاحتلال على أرض الصومال؟ ومن الذي سمح لها بأن تحوّل صراع أمة مع عدوها المركزي إلى شراكة أمنية ضد شعوب المنطقة؟ ومن الذي سيحاسبها؟

في ظل صمت عربي رسمي، وتواطؤ إعلامي، وتغطية على كل ما يجري تحت مسميات التنمية أو الاستقرار، تواصل الإمارات بناء قواعد الاحتلال في العمق الإفريقي، وتواصل إسرائيل حصد المكاسب، في وقت تغرق فيه غزة بالدم، وتحاصر القدس، ويُهجر أهل الضفة، وتُفتك المقاومة في جنين.

كل خطوة كهذه هي طعنة في ظهر الأمة. وكل رادار يُنصب هناك هو عين للاحتلال على الشعوب العربية والإسلامية. ومن يسكت اليوم عن هذه الخيانات، سيجد غدًا طائرات الاحتلال تُحلّق فوق مدنه، وهي تنطلق من قواعد أنشأتها أيدٍ عربية، بأموال عربية، وبإعلام عربي يصفق للخيانة ويخون المقاومة.

هذا هو الرادار في بوصاصو. وهذا هو المشروع الإماراتي الصهيوني الذي يتمدد بصمت، لكنه لا يُخفى على الشعوب.