في خطوة تحمل أبعادًا تتجاوز البروتوكول الدبلوماسي، وصل وزير خارجية دولة الاحتلال جدعون ساعر إلى إقليم “أرض الصومال” الانفصالي، في أول زيارة لمسؤول من حكومة بنيامين نتنياهو منذ إعلان “تل أبيب” اعترافها بالإقليم في 26 كانون الأول/ديسمبر الماضي. الزيارة، التي كشفت عنها صحف عبرية بينها “معاريف” و“هآرتس”، تأتي في سياق تحركات إسرائيلية أوسع تهدف إلى تثبيت موطئ قدم عسكري واستخباراتي في القرن الإفريقي، عبر دعم كيانات انفصالية وتفكيك الدول المركزية.

من الاعتراف السياسي إلى التموضع العسكري

بحسب ما نقلته “هآرتس” عن وكالة رويترز، أجرت “تل أبيب” خلال الأشهر الماضية محادثات سرية مع مسؤولي “أرض الصومال” بتنسيق مباشر من ساعر، الذي التقى في نيسان/أبريل الماضي ممثلين عن رئيس الإقليم. ومنذ ذلك الحين، تواترت الزيارات المتبادلة، وسط تقارير إعلامية أجنبية تحدثت عن رغبة إسرائيلية صريحة في استخدام أراضي الإقليم منصةً لعمليات عسكرية ضد الحوثيين في اليمن، مستفيدة من القرب الجغرافي والحساسية الاستراتيجية لساحل خليج عدن.

بربرة… العقدة الاستراتيجية

تتجه الأنظار إلى ميناء بربرة، حيث أفاد موقع “ذا يلي صوماليا” بأن ساعر سيزور منطقة قريبة من الميناء لتفقد أراضٍ يُقال إن الاحتلال يخطط لإقامة قاعدة عسكرية عليها. إقامة قاعدة من هذا النوع لا تعني فقط تغيير ميزان القوى المحلي، بل تهديدًا مباشرًا لأمن البحر الأحمر وخليج عدن، وتحويل القرن الإفريقي إلى ساحة اشتباك إقليمي مفتوحة.

اعتراف أمني بامتياز

قناة “i24NEWS” العبرية نقلت عن ممثل للموساد قوله أمام لجنة الشؤون الخارجية والدفاع في الكنيست إن “الاعتراف بأرض الصومال يحمل تداعيات أمنية كبيرة”، في إقرار واضح بأن الدافع الأساسي للاعتراف ليس دبلوماسيًا، بل أمني–استخباراتي. وفي السياق ذاته، قال المدير العام لوزارة الخارجية الإسرائيلية إيدن بار طال إن “تل أبيب” تعمل على بناء تحالفات إقليمية، معتبرًا أن هناك إدراكًا متزايدًا في المنطقة بأن إسرائيل “لاعب إقليمي قوي”، وهي لغة تعكس نزعة فرض الأمر الواقع عبر القوة الناعمة والخشنة معًا.

شروط الاعتراف… وتوظيف القضية الفلسطينية

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود كان قد حذّر سابقًا من معلومات استخباراتية تشير إلى اتفاق بين دولة الاحتلال و“أرض الصومال” يقوم على ثلاثة شروط مقابل الاعتراف: إعادة توطين فلسطينيين في الإقليم، توفير قاعدة عسكرية إسرائيلية على ساحل خليج عدن، وانضمام الإقليم إلى “اتفاقيات إبراهيم”. إن صحّت هذه المعطيات، فهي تمثل فضيحة سياسية وأخلاقية، وتكشف توظيفًا فجًا للقضية الفلسطينية في صفقات جيوسياسية تستهدف تمزيق الدول لا أكثر.

الإمارات… الوسيط والمُمكّن

لا يمكن فصل هذا المسار عن دور الإمارات العربية المتحدة، التي تشير تقارير عبرية إلى وساطتها لتثبيت الحضور الإسرائيلي في “أرض الصومال”. ففي بربرة، استثمرت موانئ دبي العالمية مئات الملايين من الدولارات، كما توجد قاعدة عسكرية إماراتية تُعد مركزًا لوجستيًا رئيسيًا. هذا الوجود، الذي يُسوَّق تحت عناوين التنمية والاستثمار، تحوّل عمليًا إلى رافعة لمشاريع التفكيك، من اليمن إلى السودان وصولًا إلى الصومال.

الاقتصاد كغطاء للأمن

تروّج التقارير لفرص استثمارية إسرائيلية محتملة في مجالات التجارة والزراعة والصحة والطاقة والبنية التحتية والتكنولوجيا، لكن التجربة الإقليمية تُظهر أن هذه العناوين غالبًا ما تُستخدم غطاءً لتمكين أمني طويل الأمد. فحين تُقام القواعد، تُفرض الوقائع، وتتحول الاستثمارات إلى أدوات ضغط، وتدفع المجتمعات الهشّة ثمن صراعات لا علاقة لها بمصالحها.

تفكيك الدول كعقيدة ثابتة

ما يجري في “أرض الصومال” ليس استثناءً، بل امتداد لعقيدة إسرائيلية تقوم على إضعاف الدول المركزية عبر تشجيع الانفصال وتدويل الموانئ وترسيخ القواعد. ومع كل خطوة، تتسع رقعة عدم الاستقرار، بينما تلعب الإمارات دور المُمكّن الإقليمي الذي يفتح الأبواب ويُمهّد الطريق، ثم ينسحب تاركًا الخراب.

القرن الإفريقي على صفيح ساخن

زيارة ساعر وحديث القاعدة العسكرية يُنذران بتحول القرن الإفريقي إلى بؤرة صراع جديدة. وبينما تُسوق “تل أبيب” تحركاتها كتحالفات أمنية، يدفع الصوماليون ثمنًا مضاعفًا: تفتيت الجغرافيا، وتدويل القرار، وتكريس واقع انفصالي قد يمتد أثره إلى دول أخرى. في المحصلة، هو مشروع واحد بأدوات متعددة: احتلال يتمدد، وإمارات تُسهّل، ودول تُفكّك.

اقرأ أيضًا :إجرام الاحتلال يصعّد المواجهة المفتوحة في الضفة المحتلة