عاد الصحفي المغربي ومراسل قناة الجزيرة في باريس، محمد البقالي، إلى مطار شارل ديغول بعد أن قضى أيامًا عصيبة بين أروقة التحقيق الإسرائيلي وجدران الزنازين، إثر مشاركته في الرحلة الإنسانية لسفينة “حنظلة” التي أبحرت في مهمة لكسر الحصار عن غزة. تلك الرحلة، التي انطلقت من ميناء غاليبولي الإيطالي، لم تصل إلى وجهتها المقصودة على سواحل القطاع المحاصر، بل اصطدمت بعنف البحرية الإسرائيلية التي اعترضتها في المياه الدولية، لتبدأ فصول من الاعتقال القسري والمعاملة المهينة.
في شهادته الأولى بعد الإفراج، أوضح البقالي أن لحظة الاقتحام لم تكن مفاجئة، بل استعد لها الطاقم بارتداء سترات النجاة، وأعلنوا مباشرة الإضراب عن الطعام، إدراكًا منهم لما وصفه بـ”مسرحيات الجيش الإسرائيلي”، الذي يحاول ترويج صورة إنسانية عبر تصوير توزيع المياه على المعتقلين، بينما الحقيقة أبعد ما تكون عن الإنسانية.
وصف البقالي المهمة بأنها “نداء أخلاقي”، مؤكداً أن المشاركين لم يحملوا سلاحًا، بل حملوا “رواية تُدين الحصار وتفضح صمت العالم”، في محاولة لكسر الطوق الإعلامي والإنساني المفروض على غزة منذ سنوات.

القمع الممنهج وسحق الكلمة
يبدو أن ما أقلق سلطات الاحتلال لم يكن السفينة بحد ذاتها، بل شهودها، وعلى رأسهم الصحفيون. فقد روى البقالي تفاصيل مروعة عن تعامل قوات الاحتلال مع النشطاء، خاصة من الجنسيات غير العربية. وأشار إلى أن أميركيا من أصل أفريقي كان ضحية لمعاملة قاسية بشكل خاص، في مؤشر على ازدواجية المعايير والتمييز حتى داخل جدران المعتقلات.
واعتبر البقالي أن الاحتلال الإسرائيلي لا يريد مجرد منع القوافل، بل يسعى أيضًا إلى إسكات الشهود، وإخفاء الرواية. لذلك، جرى التعامل بعدوانية شديدة مع الصحفيين والمصورين، ومُنعوا من استخدام أدواتهم، وتم التحقيق معهم لساعات طويلة، وسط اتهامات عبثية، شملت حيازة مخدرات والارتباط بتنظيمات إرهابية.
وكان المعتقلون محتجزين في زنازين ضيقة، محرومين من أي اتصال بالعالم الخارجي، ولا يُسمح لهم بدخول الحمام إلا تحت المراقبة، مع الإبقاء على أبواب الزنازين مفتوحة أمام الكاميرات. وبهذه المعاملة، أرادت إسرائيل أن تُخضع الشهود لكسر الإرادة والرسالة، غير أن إصرار النشطاء –بحسب البقالي– بقي أقوى من آلة القمع.
الصحافة تحت المقصلة.. و”حنظلة” لم تغرق
يشير هذا الحادث إلى واقع مرير يعيشه الصحفيون في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، الذي لطالما صنّف الصحافة المقاومة عدواً خطيراً. فليست هذه المرة الأولى التي يتم فيها اعتقال أو استهداف صحفيين في أثناء تغطية أو مشاركات رمزية لدعم غزة، بل تكرر ذلك منذ استشهاد شيرين أبو عاقلة، ويمتد يوميًا في غزة، حيث الصحفيون بين شهيد ومصاب ومُلاحَق.
رغم الإفراج عن البقالي وعدد من زملائه، ما يزال مصير 14 ناشطًا –بينهم إعلاميون ونشطاء حقوق– مجهولًا، وسط تعتيم متعمد من سلطات الاحتلال، ورفض للتصريحات الحقوقية الدولية المطالبة بكشف مصيرهم. وقد أشار البقالي إلى أن بعضهم لا يزال مضربًا عن الطعام داخل سجن “جفعون”، رافضين إجراءات الترحيل القسري التي تهدف إلى طمس أثر الرحلة.
ورغم أن السفينة لم تصل إلى غزة، يرى البقالي أن “حنظلة” أبحرت بالقضية إلى أعين العالم، وكشفت فظائع الاحتلال ووجهه الحقيقي أمام شعوب أوروبا والعالم. وقال إن الرحلة ليست نهاية، بل بداية لموجة جديدة من التضامن العالمي، خاصة مع إعلان تحالف “صمود” عن قافلة بحرية جديدة تضم زوارق من 39 دولة، في محاولة رمزية جديدة لفك الحصار.
وأكد أن الصحافة الحرة اليوم في معركة مزدوجة: معركة نقل الحقيقة، ومعركة الحفاظ على سلامة الكلمة في وجه أنظمة القمع. وما حدث مع “حنظلة” هو جزء من مشهد أوسع تُسحق فيه حرية الصحافة، وتُحاصر فيه الكلمة كما يُحاصر الفلسطيني.
خاتمة: الشهود لن يصمتوا
أحداث “حنظلة” لم تكن مجرد مواجهة بحرية عابرة، بل صدام مباشر بين الرواية الإنسانية والصورة الدعائية التي يسعى الاحتلال لتصديرها. محمد البقالي لم يكن فقط مراسلًا، بل شاهدًا على قمع الاحتلال للصحافة الحرة، وصوتًا حيًا يُذكّر العالم بأن الحصار لا يُمارس على غزة فقط، بل على الحقيقة نفسها.
من الواضح أن معاناة الصحفيين في وجه الاحتلال لا تكمن فقط في الاعتقال، بل في المعركة الأكبر: إبقاء النور مسلطًا على غزة، وكسر جدار التواطؤ الدولي الذي يوفّر الغطاء السياسي لهذا الجحيم المستمر. وكما قال البقالي، فإن الحكاية ستُروى.. حتى ولو حاولوا دفنها في أعماق البحر.
اقرأ أيضًا : الاحتلال يستعد لترحيل نشطاء “حنظلة”.. قمع دولي وتواطؤ صامت