في 7 أغسطس 2025، شهد ميناء جنوة الإيطالي تحركًا عماليًا قويًا، حيث اعترض عشرات من عمال الميناء السفينة السعودية “بحري ينبع” القادمة من بالتيمور في الولايات المتحدة، بعد اكتشاف أنها تحمل شحنة ضخمة من الأسلحة والذخائر والمعدات العسكرية، من بينها مدفع إيطالي الصنع من طراز Oto Melara، بالإضافة إلى مدرعات ودبابات ومواد متفجرة، في طريقها إلى إسرائيل.

العمال رفضوا المشاركة فيما وصفوه بـ”شحنات الموت”، ووقفوا أمام تحميل المدفع ومنعوا استكمال عملية شحن الأسلحة، مؤكدين أنهم لن يكونوا متواطئين في الإبادة الجماعية التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني في غزة. ورغم محاولات إدارة الميناء عرقلة وصولهم إلى السفينة، نجح نحو 40 عاملًا في الصعود إليها فجرًا وتوثيق الحمولة، ما أجبر سلطات الميناء على الدخول في وضع “احتواء الأضرار” والتعهد بمناقشة إنشاء “مرصد دائم لمراقبة تهريب الأسلحة” في سبتمبر/أيلول المقبل.

هذا التحرك ليس الأول من نوعه، إذ سبق لعمال ميناء جنوة أن أوقفوا عام 2019 شحنة أسلحة تابعة للشركة السعودية نفسها بعد اكتشاف أن البضائع المعلنة على أنها مدنية كانت في الحقيقة أسلحة، إلا أن السلطات لم تفرض حظرًا دائمًا على عبور تلك الشحنات، ما سمح باستمرار تدفق الأسلحة.

التحرك الأخير حظي بدعم من اتحادات نقابية رئيسية في إيطاليا (CGIL، CISL، UIL) ونقابات قاعدية (USB، CALP)، إلى جانب مجموعات مناهضة للحرب وكنيسة جنوة التي حظيت بدعم مباشر من البابا فرنسيس. النقابات أعلنت حظرًا على تحميل الأسلحة الموجهة إلى مناطق النزاع استنادًا إلى القانون الإيطالي رقم 185/90، الذي يحظر تصدير السلاح إلى دول منخرطة في الحروب.

لكن خلف هذا المشهد، تتضح حقائق أكثر خطورة؛ فالسماح لسفينة سعودية بنقل أسلحة وذخائر إلى إسرائيل في ظل المجازر اليومية في غزة يكشف تورط النظام السعودي في دعم آلة الحرب الإسرائيلية، سواء عبر التسهيل اللوجستي أو المشاركة المباشرة في نقل العتاد العسكري.

هذه الفضيحة تأتي أيضًا ضمن سياق تعاون متزايد بين الموانئ وحركات العمال في البحر المتوسط، إذ سبق أن أوقف عمال الموانئ في اليونان وإسبانيا وبلجيكا وفرنسا شحنات أسلحة متجهة إلى إسرائيل، استجابة لنداءات عاجلة من النقابات الفلسطينية لوقف أي دور في سلسلة إمداد الاحتلال بالسلاح.

إن ما جرى في جنوة يفضح ليس فقط شبكة تجارة السلاح الدولية، بل أيضًا تواطؤ الأنظمة الداعمة للحرب، ويؤكد أن الموقف الأخلاقي والشجاع لعمال الموانئ يمكن أن يعرقل تدفق الأسلحة ويكشف الحقائق التي تحاول الحكومات والشركات إخفاءها. ومع ذلك، فإن استمرار هذه الشحنات يثبت أن هناك حاجة ملحة لتحرك دولي منظم لوقف توريد السلاح إلى الاحتلال، ومحاسبة كل من يشارك في هذه الجرائم، مهما كانت صفته أو موقعه.