في سابقة لم تشهدها “إسرائيل” منذ تأسيسها، سقط صاروخ يمني أطلقته جماعة “أنصار الله” الحوثية على واحدة من أكثر منشآتها حيوية واستراتيجية، مطار بن غوريون الدولي، ما أدى إلى شلّ حركة الملاحة مؤقتًا، ودفع الحكومة الإسرائيلية إلى إعلان حالة استنفار قصوى، وسط تساؤلات عن مدى صلابة منظومة الردع والدفاع الجوي، وقدرتها على حماية عمق الكيان من تهديدات باتت تأتي من آلاف الكيلومترات.

أول الضربات المباشرة: حين يسقط الصاروخ في قلب “إسرائيل”

اجتماع طارئ عقده رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مع قادة الأمن والجيش في غرفة العمليات المركزية بعد ساعات من الحادثة، كشف عن حجم الإرباك الذي خلفه الهجوم، ليس فقط على المستوى العسكري، بل أيضاً الاقتصادي والسياسي.

فقد حمل الصاروخ الذي انطلق من الأراضي اليمنية أكثر من مجرد رسالة رمزية، بل مثّل اختراقاً خطيراً لقدسية “العمق الآمن” في “إسرائيل”، وسقط تحديداً بجوار مبنى الركاب رقم 3، الأقرب إلى برج المراقبة، في مشهد عجزت منظومة الدفاع الجوي، بما فيها نظام “حيتس 3″ و”ثاد” الأمريكي، عن التصدي له.

بحسب القناة 12 العبرية، فإن الرأس الحربي للصاروخ كان ضخمًا وتسبب في حفرة بلغ عمقها نحو 25 مترًا، وأدى إلى موجة انفجارات هائلة، خاصة قرب منشأة الشحن الجوي، التي تعد شريانًا اقتصاديًا حيويًا يستخدم في تصدير واستيراد المعدات التقنية والطبية، كما أنها تتحول في أوقات الحرب إلى منشأة عسكرية استراتيجية.

مطار بن غوريون.. البوابة الجوية وشريان الاقتصاد

مطار بن غوريون، الذي يقع بالقرب من مدينة تل أبيب، يُعد أكثر من مجرد نقطة عبور جوية. إنه المركز السيادي للسيطرة على الحركة الجوية في “إسرائيل”، ويستقبل سنويًا نحو 23 مليون مسافر، ويوفر عشرات الآلاف من فرص العمل المباشرة وغير المباشرة، ويمثل حلقة وصل رئيسية مع الاقتصاد العالمي، إذ تنطلق منه الرحلات نحو أكثر من 100 وجهة دولية.

يتكون المطار من ثلاثة مدارج ومجموعة من مباني الركاب، أبرزها مبنى الركاب رقم 3 الذي شهد أكبر ضربة، إلى جانب مبنيي الركاب رقم 1 و4 المستخدمين في الرحلات الداخلية والاقتصادية. 

المطار يضم أيضًا “المنطقة الصناعية”، التي تشمل منشآت دعم لوجستي وتخزين وأبنية تستخدم في الشحن والبريد العسكري، مما يجعله هدفًا مغريًا لأي طرف يسعى لشلّ الحركة في “إسرائيل”.

منذ بداية العدوان الإسرائيلي على غزة، تزايد الحديث عن نقاط ضعف محتملة في المنظومة الدفاعية التي يُروّج لها دائمًا باعتبارها من الأقوى في العالم.

لكن هذا الصاروخ، الذي سلك مسافة تزيد عن 2000 كيلومتر من اليمن، واستغرق نحو 11 دقيقة للوصول، ضرب عُمق هذه الدعاية، وفضح ما وصفته صحيفة “هآرتس” بـ”الثغرة القاتلة” في القدرة الإسرائيلية على التصدي للهجمات البعيدة المدى، رغم تكاليف الدفاع الباهظة والدعم الأمريكي المتواصل.

التداعيات الاقتصادية.. وتهديد الملاحة الجوية

عقب الضربة، عمّت الفوضى في المطار، حيث جرى إخلاء مباني الركاب، وإلغاء العشرات من الرحلات الجوية، وهرع المسافرون نحو الملاجئ. وقد أدّت هذه التطورات إلى خسائر مالية آنية تجاوزت عشرات الملايين من الدولارات، سواء من حيث تعويضات شركات الطيران أو التكاليف اللوجستية الناجمة عن توقف التشغيل.

وقد حذرت جماعة الحوثي على لسان المتحدث باسمها، يحيى سريع، شركات الطيران العالمية من استمرار استخدام المطار، مشددة على أنه “غير آمن”. 

هذا التصريح أدّى بالفعل إلى أن تعيد بعض شركات الطيران الأوروبية والخليجية النظر في مساراتها إلى تل أبيب، وسط خشية من مزيد من الضربات غير المتوقعة.

ويأتي هذا الهجوم في وقت يعاني فيه الاقتصاد الإسرائيلي من تراجعات حادة، بفعل استمرار الحرب على غزة وتوسّع جبهات القتال مع حزب الله في الشمال، والاضطرابات الداخلية، وخروج الاستثمارات الأجنبية، بحسب ما أوردت تقارير اقتصادية نُشرت مؤخرا في صحيفة “ذي ماركر” العبرية. 

كما باتت التوقعات تشير إلى تراجع في نمو الناتج المحلي بنحو 2.5% هذا العام، وانخفاض حاد في معدلات السياحة، وارتفاع نسبة البطالة في قطاع الخدمات.

رسائل استراتيجية أبعد من الصاروخ

يتجاوز الحدث في رمزيته مجرد سقوط صاروخ على مطار. فهو يمثل أول اختراق مباشر للحوثيين لمركز حيوي في قلب الكيان، ويشكّل سابقة تعني بأن كل منشأة حيوية – سواء أكانت مدنية أو عسكرية – باتت في مرمى جماعات المقاومة خارج حدود فلسطين، من اليمن جنوبًا إلى لبنان شمالًا، مرورًا بالعراق وسوريا.

ويعكس هذا الهجوم تغيرًا في ميزان الردع، بل ربما انهيارًا تدريجيًا لمعادلة “الردع المطلق” التي طالما تباهت بها إسرائيل.

فقد أعلنت جماعة الحوثي أن هذه العملية تأتي في سياق الرد على الإبادة الجماعية التي تُمارس بحق الفلسطينيين في غزة، والتي أسفرت حتى الآن عن أكثر من 170 ألف شهيد وجريح، وقرابة 11 ألف مفقود، في ظل دعم أمريكي وغربي مطلق، وعجز دولي عن كبح آلة الحرب الإسرائيلية.

الرد الإسرائيلي المتوقع، وفق تصريحات أوردتها هيئة البث الرسمية، قد يشمل عمليات قصف على صنعاء وصعدة مجددًا، أو توسيع نطاق الاستهداف ليشمل منشآت يمنية عسكرية واقتصادية.

لكن هذه الاستراتيجية قد تكون غير مجدية، في ظل تصميم الحوثيين على الاستمرار في الضغط على الجبهة الجنوبية لدولة الاحتلال، وربما تجاوزهم ذلك لشن ضربات مستقبلية على أهداف أكثر حساسية، كتجمعات عسكرية أو محطات طاقة.

في الختام: مطار بن غوريون لم يعد آمنًا

ضربة بن غوريون تمثل اختراقًا استراتيجيًا في عمق الجغرافيا الإسرائيلية، وتطرح تساؤلات وجودية تتجاوز الرد العسكري التكتيكي. 

هل دخلت “إسرائيل” فعلاً في دائرة العجز الأمني الاستراتيجي؟ وهل باتت المدن والمنشآت الحيوية في مرمى النيران من اليمن ولبنان والعراق دون قدرة حقيقية على الحماية؟ وهل تغيّر الزمن الذي كانت فيه مطاراتها وموانئها رمزًا للهيمنة والردع، إلى عصر جديد يصبح فيه “بن غوريون” ذاته سببًا للذعر والشلل؟

الأسئلة لا تزال مفتوحة، لكن المؤكد أن “العمق الإسرائيلي” لم يعد آمنًا، وأن القادم قد يكون أكثر زلزلة، في ظل توسّع محور المقاومة واستمرار المجازر في غزة.

اقرأ أيضًا : كيف يحاول الاحتلال قتل الأسرى الفلسطينيين ببطء داخل سجونه؟