في الوقت الذي تتحدث فيه الحكومات الغربية عن “السلام” و”التهدئة”، تكشف الصحف والمواقع العالمية يومًا بعد آخر عن جانب مظلم من الانتهاكات الإسرائيلية بحق الأسرى والجثث الفلسطينية، في ظل صمت رسمي دولي مريب، بينما تتوالى التحذيرات من هشاشة اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة واستمرار معاناة الفلسطينيين في السجون والمناطق المحتلة.

“الغارديان”: جثث مشوهة وعلامات تعذيب مروّعة

صحيفة الغارديان البريطانية كانت الأكثر جرأة في تسليط الضوء على الانتهاكات الإسرائيلية بحق الأسرى الفلسطينيين، إذ كشفت في تقرير موسع أن إسرائيل تعيد جثث أسرى فلسطينيين إلى غزة وقد بدت عليها علامات تعذيب وتنكيل شديدين.

وذكرت الصحيفة أنها امتنعت عن نشر الصور لبشاعتها، موضحة أن من بين الجثث جثة رجل قُتل خنقًا برباط حول عنقه، فيما تسلمت سلطات غزة 135 جثة مشوهة كانت محتجزة في مركز “سدي تيمان” العسكري في صحراء النقب، وهو ما وصفته الصحيفة بأنه جريمة حرب مكتملة الأركان.

وأشارت الصحيفة إلى أن منظمات حقوقية دولية طالبت بفتح تحقيق عاجل في القتل الممنهج للأسرى داخل هذا المركز العسكري، معتبرة أن ما جرى يمثل “انحدارًا غير مسبوق في معايير الاحتلال الإسرائيلي تجاه الأسرى الفلسطينيين”، وسط صمت غربي يغذّي ثقافة الإفلات من العقاب.

“هآرتس”: وقف إطلاق النار لم يوقف القمع

من جانبها، تناولت صحيفة هآرتس الإسرائيلية الوضع الداخلي بعد اتفاق وقف إطلاق النار، مؤكدة أن الهدنة لم تُنهِ القمع ولا معاناة الفلسطينيين، بل منحت الجيش الإسرائيلي مساحة أكبر لتشديد قبضته على الضفة الغربية التي تخضع لسيطرة عسكرية خانقة.

وأوضحت الصحيفة أن الحكومة الإسرائيلية تسعى إلى إحباط أي إمكانية لقيام قيادة فلسطينية موحدة، معتبرة أن الاحتلال يستخدم الهدوء في غزة لتصعيد الاعتقالات والمداهمات في الضفة، بينما يستمر المستوطنون في ممارسة العنف ضد الفلسطينيين بدعم أو تجاهل من السلطات.

وأضافت هآرتس أن سكان غزة يعيشون حالة من الشلل الكامل في إعادة الإعمار، إذ لم تبدأ أي مشاريع حقيقية لإصلاح الدمار الهائل الذي خلفته الحرب، في حين يعاني القطاع من نقص حاد في المواد الغذائية والطبية والوقود، ما يجعل الحياة اليومية “جحيماً إنسانياً متصلاً”.

“لوموند”: اتفاق هش ومخاوف من انفجار في الضفة

أما صحيفة لوموند الفرنسية، فنشرت مقالًا للباحث الإسرائيلي غيرشون باسكن – أحد الوسطاء السابقين بين إسرائيل وحماس – اعتبر فيه أن اتفاق وقف إطلاق النار “فرصة حقيقية للسلام”، لكنه حذر من أن الضفة الغربية تقف على حافة انفجار بسبب تصاعد العنف والاحتقان الشعبي، مشيرًا إلى أن سياسات الاحتلال الاستفزازية واعتداءات المستوطنين قد تفجر جولة جديدة من المواجهات.

وفي مقاله، امتدح باسكن ما وصفه بـ”المتابعة الأميركية الدقيقة” للاتفاق، مؤكدًا أن دور واشنطن الحاسم هو ما يبقي الهدنة قائمة. لكنه في المقابل أقر بأن حركة المقاومة الإسلامية (حماس) لا ترفض إعادة جثث الرهائن الإسرائيليين المتبقين، إلا أن الظروف الميدانية وانعدام الأمن يمنعان ذلك حاليًا، في إشارة إلى هشاشة الأوضاع الأمنية والإنسانية في القطاع.

“واشنطن بوست”: هدنة معلقة بخيط رفيع

وفي السياق الأميركي، تناولت صحيفة واشنطن بوست التطورات السياسية في ظل محاولات الولايات المتحدة لتثبيت الهدنة، مشيرة إلى لقاءات عقدها جايك سوليفان، نائب الرئيس الأميركي، مع المبعوثين ستيف كوك وجاريد كوشنر في تل أبيب لمتابعة تنفيذ بنود المرحلة التالية من اتفاق وقف إطلاق النار، وذلك خلال اجتماعات مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية.

ونقلت الصحيفة عن سكان في غزة قولهم إنهم يعيشون حالة من القلق الدائم، معتبرين أن الهدنة “معلقة بخيط رفيع”، في ظل استمرار الخروق الإسرائيلية شبه اليومية. ولفتت الصحيفة إلى أن المساعدات الإنسانية التي تدخل غزة “لا تغطي الحد الأدنى من احتياجات السكان”، وهو ما يجعل احتمال انهيار التهدئة “مسألة وقت لا أكثر”.

“الإيكونوميست”: سلام هش تحت الضغط الأميركي

بدورها، أشارت مجلة الإيكونوميست البريطانية إلى أن الهدنة صامدة شكليًا، لكنها معرضة للانهيار في أي لحظة، مشيرة إلى أن “الخروقات الإسرائيلية المتكررة تُقابل بضبط النفس من حماس بضغط من الوسطاء”، وهو ما يعكس – بحسب المجلة – رغبة الطرفين في تجنب العودة إلى الحرب في ظل الضغوط الأميركية الشديدة.

لكن المجلة شددت على أن الاشتباكات الأخيرة في رفح كشفت هشاشة الاتفاق وصعوبة تنفيذ بند “نزع سلاح حماس”، إذ ترفض فصائل المقاومة تسليم سلاحها أو السماح بدخول قوة دولية لحفظ السلام، وسط تحفظات عربية من أن تتحول تلك القوات إلى غطاء جديد للاحتلال.

وختمت الإيكونوميست تقريرها بالقول إن “الهدوء الحالي لا يمكن وصفه بسلام دائم، بل هو سلام هشّ تحت وصاية أميركية مؤقتة، ينتظر ما ستسفر عنه المفاوضات المقبلة بين أطرافٍ لا تثق ببعضها”.

خلاصة تحليلية

تكشف هذه التغطيات المتزامنة عن تحولٍ ملحوظ في الخطاب الإعلامي الغربي تجاه الاحتلال الإسرائيلي، حيث باتت الصحف الكبرى تتحدث بصراحة عن جرائم الحرب، والتعذيب، وانتهاك كرامة الأسرى، في وقت تتزايد فيه الأصوات المطالبة بتدخل المحكمة الجنائية الدولية ومحاسبة المسؤولين الإسرائيليين عن تلك الانتهاكات.

وفي المقابل، تحاول واشنطن تثبيت اتفاق هشّ يخدم أولوياتها الأمنية، دون معالجة جذور المأساة الفلسطينية التي تتجسد اليوم في المعتقلات، والمقابر، والأنقاض، حيث ما زال الاحتلال يرتكب جرائمه في وضح النهار تحت غطاء “التهدئة” و”السلام”.

اقرأ أيضًا : “ما خفي أعظم”.. تحقيق الجزيرة يكشف هوية قتلة الطفلة هند رجب ويعيد فتح ملف جرائم الاحتلال في غزة