خرج آلاف الفلسطينيين في ساعات الفجر الأولى من يوم الخميس إلى شوارع غزة، يهتفون، يرقصون، ويرفعون رايات المقاومة، احتفاءً بإعلان اتفاق وقف إطلاق النار الذي يُفترض أن يضع حدًا لحرب الإبادة التي استمرت لعامين كاملين. وعلى الرغم من الدمار الذي يغطي معظم مدن القطاع، فإن الغزيين خرجوا كما خرجوا في كل مرة من قبل، بأجساد مثخنة بالجراح لكن بقلوب لا تعرف الهزيمة، ليُثبتوا للعالم أن إرادة الحياة أقوى من آلة الموت الإسرائيلية ومن خذلان الحلفاء والصمت العربي والدولي.

الفرح في قلب الركام
من غزة إلى خان يونس ودير البلح، تكررت المشاهد ذاتها: شبان يطلقون الزغاريد، أطفال يرفعون شارات النصر، نساء يبكين فرحًا، ورجال يرددون الأناشيد الوطنية. في مستشفى شهداء الأقصى، اجتمع العشرات من عائلات الجرحى والمفقودين يحتفلون رغم الجراح، معتبرين أن وقف النار هو خطوة أولى نحو حياة طال انتظارها.
وعلى مقربة من أنقاض المنازل المدمّرة، أضاء الشباب الشموع ورفعوا صور الشهداء، في مشهدٍ جمع بين الحزن والفرح، وبين الألم والأمل. يقول أحد الناجين: “احتفل لأنني ما زلت حيًا، ولأننا رغم كل شيء بقينا صامدين حين خذلنا الجميع.”
صمود لا ينكسر رغم الكارثة الإنسانية
عامان من الحرب خلّفا أكثر من 67 ألف شهيد و169 ألف جريح، معظمهم من الأطفال والنساء، إضافة إلى مئات الآلاف من النازحين الذين فقدوا منازلهم. ومع ذلك، لم يستطع الاحتلال أن يكسر إرادة أهل غزة الذين قاوموا الحصار والجوع والدمار بوسائلهم البسيطة، وبإيمانهم بعدالة قضيتهم.
لم تكن الحرب مجرد معركة عسكرية، بل كانت اختبارًا قاسيًا لصمود مجتمع بأكمله في وجه سياسات التجويع التي استخدمتها إسرائيل كسلاح لإخضاع المدنيين. ومع نفاد الطعام والماء والدواء، حوّل الغزيون كل بيت إلى مستشفى، وكل شارع إلى مأوى، وكل صرخة ألم إلى نداء صمود.
المقاومة: من تحت الركام إلى طاولة التفاوض
ورغم التفوق العسكري الإسرائيلي والدعم الأميركي غير المحدود، استطاعت المقاومة الفلسطينية أن تفرض معادلة جديدة على الأرض. فبعد عامين من القصف والدمار، وجدت إسرائيل نفسها مضطرة إلى القبول بوقف إطلاق النار وفق خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بعد أن فشلت في كسر شوكة المقاومة أو إعادة أسراها بالقوة.
مصادر سياسية أشارت إلى أن إسرائيل قبلت في النهاية بصفقة تتضمن وقف النار وسحب قواتها إلى خطوط متفق عليها، مقابل إطلاق الأسرى، في حين تعتبر المقاومة ذلك انتصارًا سياسيًا ومعنويًا يُضاف إلى سجلها الطويل في مقارعة الاحتلال.
خذلان العرب وصمت العالم
في الوقت الذي كان فيه سكان غزة يحتفلون بنهاية الحرب، ظلّت عواصم عربية كثيرة صامتة، تكتفي ببيانات باهتة وتصريحات دبلوماسية لا تسمن ولا تغني من جوع. لم تتحرك الجيوش، ولم تُفتح المعابر، ولم تُقدّم المساعدات إلا بعد أن لفظت الأرواح أنفاسها الأخيرة.
يرى مراقبون أن خذلان النظام العربي الرسمي لغزة لم يكن وليد اليوم، بل هو امتداد لسياسات التطبيع والتواطؤ التي منحت الاحتلال شعورًا زائفًا بالإفلات من العقاب. ومع ذلك، فإن الشعوب العربية، كما في كل مرة، عبّرت عن تضامنها الحقيقي، سواء في الشوارع أو عبر وسائل التواصل، مؤكدين أن فلسطين ما زالت قضيتهم الأولى رغم محاولات التهميش.
الفرح رسالة تحدٍ لا استسلام
احتفالات غزة لا تعني أن الجرح التأم أو أن المعاناة انتهت، لكنها تمثل رسالة قوية بأن من صمد عامين تحت القصف والتجويع لا يمكن أن يُهزم. في لحظة الفرح، لم ينسَ الغزيون شهداءهم ولا معاناتهم، بل حملوا صورهم ورفعوا أصواتهم للعالم قائلين: “ها نحن هنا، أحياء رغم كل شيء.”
فالفرح في غزة ليس ترفًا، بل فعل مقاومة بحد ذاته، إثبات على أن الاحتلال يمكنه أن يهدم البيوت لكنه لا يستطيع أن يهدم الروح.
خاتمة: بين الفرح المؤقت والأمل الدائم
يعيش الغزيون اليوم لحظة استثنائية، تختلط فيها مشاعر النصر بالحداد، والدموع بالابتسامات. فوقف إطلاق النار ليس سوى بداية طريق طويل نحو إعادة الإعمار، وتحقيق العدالة للشهداء، وضمان ألا تتكرر المأساة من جديد.
وفي ظل الشكوك حول نوايا الاحتلال واستمرار الحصار، يدرك أهل غزة أن معركتهم الحقيقية لم تنتهِ بعد، لكنها اليوم أخذت شكلًا جديدًا: معركة البقاء وإعادة الحياة من تحت الركام.
ورغم خذلان القريب وصمت البعيد، يواصل الغزيون رفع راية الصمود، مؤمنين بأن النصر الحقيقي ليس فقط في وقف النار، بل في استمرار الوجود، والتمسك بالأرض، والإيمان بأن فجر الحرية قادم لا محالة.
اقرأ أيضًا : من طائرة الراجحي إلى طوابير الضمان.. هكذا تجلّت فوارق السعودية الجديدة