في الوقت الذي تترقب فيه الساحة اللبنانية استقرار مفاعيل وقف إطلاق النار الذي أعلنه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بدأت تل أبيب في ضخ سلسلة من التحذيرات الأمنية التي توحي برغبة مبيتة في الانقضاض على التفاهمات الهشة. فقد نقلت هيئة البث العبرية عن مصادر أمنية إسرائيلية تحذيرات وصفتها بالجدية من “احتمال انهيار الاتفاق”، متذرعة بما أسمته “خروقات حزب الله”.
هذا التصعيد الكلامي، الذي ترافق مع استمرار الاعتداءات الميدانية الإسرائيلية، يفتح الباب واسعاً أمام تساؤلات حول النوايا الحقيقية للاحتلال وما إذا كانت “الهدنة” بالنسبة له مجرد استراحة محارب لإعادة ترتيب الأوراق أو فخ سياسي لإحراج الدولة اللبنانية.
استراتيجية “الضغط بالخروقات”
منذ دخول الاتفاق حيز التنفيذ في 17 أبريل/ نيسان الجاري، لم يتوقف جيش الاحتلال عن ممارسة سياسة الاستفزاز الميداني، وهو ما تصفه بيروت بـ “التلاعب الصارخ” ببنود التفاهم. وبينما يؤكد حزب الله أن عملياته تأتي في سياق الرد الطبيعي على خروقات تل أبيب، تحاول إسرائيل قلب الحقائق من خلال:
- تصدير أزمة “المنطقة الأمنية”: تسعى إسرائيل لفرض واقع ميداني جديد يتجاوز حدود ما تم الاتفاق عليه، مطالبة واشنطن بالضغط على الجيش اللبناني للتحرك في مناطق خارج نطاق التفاهمات الأصلية.
- ابتزاز الإدارة الأمريكية: تلوح المصادر الأمنية الإسرائيلية بأن “الاتفاق قد ينفجر” في حال غياب ضغط أمريكي مكثف على بيروت، وهي محاولة لجر إدارة ترامب لتبني الرواية الإسرائيلية بالكامل ضد الدولة اللبنانية وجيشها.
ماذا تريد إسرائيل فعلياً؟
خلف ستار “التحذيرات الأمنية”، تبرز أهداف إسرائيلية واضحة تهدف إلى تفخيخ الهدنة من الداخل:
- تحويل الجيش اللبناني إلى “شرطي حدود”: تهدف الضغوط الإسرائيلية إلى وضع الجيش اللبناني في مواجهة مباشرة مع بيئة المقاومة، وهو ما ترفضه بيروت جملة وتفصيلاً حفاظاً على السلم الأهلي.
- شرعنة “حق الرد” الاستباقي: من خلال تكرار مزاعم الخروقات، تحاول تل أبيب انتزاع “ضوء أخضر” دولي يتيح لها قصف أي هدف في لبنان تحت ذريعة “إحباط التهديدات”، مما يفرغ الهدنة من مضمونها.
- التلاعب بالمدد الزمنية: رغم تمديد ترامب للهدنة لثلاثة أسابيع إضافية، يبدو أن الاحتلال يسابق الزمن لفرض شروط ميدانية قاسية قبل تحول الهدنة إلى وقف دائم لإطلاق النار.
واقع ميداني معقد
تصف المصادر الأمنية العبرية الواقع الميداني بأنه “معقد وقد يؤدي لتدهور الأوضاع”، وهو وصف يرى فيه مراقبون “نبوءة تسعى إسرائيل لتحقيقها”. فالتلاعب الإسرائيلي بالاتفاق لا يقتصر على التصريحات، بل يمتد إلى منع النازحين من العودة لبعض القرى الحدودية واستمرار التحليق المكثف للطيران المسير، مما يجعل الهدنة معلقة بخيط رفيع.
يبقى السؤال القائم: هل ستنجح الضغوط الدبلوماسية في لجم التلاعب الإسرائيلي، أم أن الاحتلال قرر بالفعل أن طريق العودة إلى الحرب أقصر من طريق الالتزام بالسلام؟ الأيام القادمة من “هدنة الأسابيع الثلاثة” ستكون الاختبار الحقيقي لمدى قدرة المجتمع الدولي على منع انفجار الجبهة اللبنانية مجدداً.
اقرأ أيضًا : إيران استخدمت قمر صناعي صيني لضرب قواعد أمريكية.. ما دلالة ذلك؟