في الوقت الذي ينتظر فيه الفلسطينيون موسم الزيتون باعتباره رمزًا للثبات والجذور في الأرض، تحوّل هذا الموسم في الضفة الغربية إلى ساحة رعب جديدة بسبب تصاعد هجمات المستوطنين ضد المزارعين والمتضامنين الأجانب الذين يرافقونهم لحمايتهم أثناء قطف الزيتون. هذه الهجمات، التي تزايدت بشكل لافت خلال الأيام الماضية، تكشف عن سياسة منظمة تستهدف اقتلاع الفلسطيني من أرضه عبر الترهيب والعنف الممنهج.

اعتداءات متكررة على المزارعين
شهدت بلدة ترمسعيا شمال شرق رام الله واحدة من أكثر الهجمات وحشية هذا الأسبوع، إذ هاجم عشرات المستوطنين مزارعين فلسطينيين ومتضامنين أجانب كانوا يقطفون الزيتون في أراضيهم المحاذية لمستوطنة “شيلو”. استمرت الاعتداءات نحو نصف ساعة استخدم فيها المستوطنون العصي والحجارة والأسلحة النارية والغاز، ما أدى لإصابة عدد من المواطنين وتحطيم سياراتهم وإحراق سبع مركبات بالكامل.
المهاجمون لم يكتفوا بالاعتداء الجسدي، بل لاحقوا المزارعين لمنعهم من الوصول إلى أراضيهم، في وقت اكتفت قوات الاحتلال بمراقبة المشهد دون أي تدخل، بل وُثقت حالات انسحاب متعمد للجنود قبل لحظات من الهجوم، ما عزّز القناعة بأن الاعتداءات تتم بتنسيق مسبق بين الجيش والمستوطنين.
ويؤكد ناشطون محليون أن هذه الهجمات ليست حدثًا عابرًا، بل جزء من سياسة تهدف إلى فرض أمر واقع جديد على الأرض، عبر تحويل المناطق الزراعية القريبة من المستوطنات إلى مناطق عسكرية مغلقة يمنع الفلسطينيون من دخولها.
موسم الزيتون.. من الفرح إلى الخوف
لم يكن موسم الزيتون يومًا مجرد نشاط زراعي بالنسبة للفلسطينيين، بل هو طقس وطني يحمل رمزية الصمود في وجه الاحتلال. لكن خلال السنوات الأخيرة، تحوّل هذا الموسم إلى موسم خوف، بعد أن بات المستوطنون يشنّون هجمات متكررة خلاله تحت حماية جيش الاحتلال.
الهجمات الجديدة جاءت بعد أيام من الإعلان عن اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، ما أثار مخاوف الفلسطينيين من أن الاحتلال يحاول تعويض “هدوء الجبهة الجنوبية” بتصعيد في الضفة الغربية. وتشير شهادات الأهالي إلى أن الاعتداءات الأخيرة كانت أعنف وأكثر تنظيمًا من المعتاد، إذ شارك فيها أكثر من مئة مستوطن دفعة واحدة، يحملون أسلحة وعصيًّا وأدوات حادة، فيما استخدم بعضهم قنابل الغاز لتفريق المزارعين.
رغم ذلك، يواصل أهالي ترمسعيا وغيرهم من قرى رام الله ونابلس وجنين التمسك بالبقاء في أراضيهم. يقول أحد الأهالي إن “الاحتلال يريد أن يجعلنا نخاف من أرضنا، لكننا سنقطف الزيتون حتى لو هاجمونا كل يوم، لأن هذه الأرض هي حياتنا وهويتنا”.
غياب الحماية الدولية وصمت السفارات
ما يثير الغضب بين الفلسطينيين أن غالبية سكان ترمسعيا يحملون الجنسية الأميركية، وقد وجّهوا مرارًا بلاغات وشكاوى إلى السفارة الأميركية حول اعتداءات المستوطنين دون أي استجابة تذكر. هذا الصمت الدبلوماسي فُسر فلسطينياً بأنه تواطؤ ضمني مع الاحتلال، خاصة في ظل تزايد التحريض الإسرائيلي على المتضامنين الأجانب الذين يرافقون المزارعين.
وتفيد منظمات محلية بأن الجيش الإسرائيلي يشترط على المزارعين الفلسطينيين “عدم استقبال المتضامنين الأجانب” مقابل السماح لهم بقطف الزيتون، وهو شرط يراه الفلسطينيون وسيلة لتجريدهم من الحماية الدولية والإعلامية التي يوفرها وجود المتضامنين.
بل إن جيش الاحتلال أقدم هذا العام على ترحيل أكثر من 30 متضامنًا أجنبيًا من الضفة الغربية في يوم واحد، بعد أن شاركوا في نشاطات دعم المزارعين في قرى بورين وحوارة ونعلين، وهو ما يعكس سياسة ممنهجة لإبعاد الشهود الأجانب عن جرائم المستوطنين.
هجمات منظمة برعاية الجيش
يرى نشطاء أن تصاعد اعتداءات المستوطنين لا يمكن فصله عن استراتيجية أوسع لتوسيع المستوطنات وبسط السيطرة على أراضي الفلسطينيين في المنطقة (ج) وفق تصنيف اتفاق أوسلو، حيث تمنع سلطات الاحتلال الفلسطينيين من البناء أو الزراعة فيها.
يؤكد ناشطون في حملات الدفاع عن الأراضي أن المستوطنين يتحركون ضمن مجموعات منظمة لها قيادة وتنسيق مع الجيش الإسرائيلي، وتقوم بمهاجمة الفلسطينيين في توقيت متزامن في أكثر من منطقة لخلق حالة رعب عامة. وتُظهر مقاطع مصوّرة تداولها ناشطون أن المستوطنين يهاجمون وجوههم مكشوفة ودون خشية من الملاحقة، مما يعزز الشعور بأنهم يتمتعون بحماية رسمية كاملة.
وتشير تقديرات منظمات حقوقية إسرائيلية وفلسطينية إلى أن الاعتداءات على المزارعين في موسم الزيتون زادت بنسبة تتجاوز 40% مقارنة بالعام الماضي، بينما لم تُفتح أي تحقيقات جديّة بحق المستوطنين المتورطين.
من المقاومة المدنية إلى الصمود اليومي
أمام هذا الواقع، أطلق نشطاء فلسطينيون حملة “زيتون 25” للتضامن مع المزارعين وتشجيعهم على مواصلة العمل في أراضيهم رغم الخطر. وتعتمد الحملة على التنسيق بين متطوعين فلسطينيين وأجانب لتوثيق الاعتداءات ونشرها على منصات التواصل، وهو ما ساهم في فضح ممارسات المستوطنين وتحفيز التضامن الدولي.
لكن رغم كل الجهود، يبقى الواقع في الميدان قاسيًا. فموسم الزيتون الذي كان يجمع العائلات حول العمل والأغاني الشعبية بات موسمًا يسوده القلق والترقب، حيث يعمل المزارعون تحت تهديد السلاح وخطر الموت.
خاتمة
تكشف أحداث ترمسعيا وسواها من بلدات الضفة أن المستوطنين لا يتحركون كأفراد عابثين، بل كذراع موازية للاحتلال في تنفيذ سياسة التهجير الصامت. فكل حجر يُرمى على فلاح، وكل شجرة تُقتلع، هي محاولة جديدة لاقتلاع الوجود الفلسطيني نفسه. ومع استمرار الصمت الدولي وتواطؤ المؤسسات الرسمية الإسرائيلية، يبقى المزارع الفلسطيني يواجه هذا العنف وحيدًا، بسلاح الإرادة، متمسكًا بزيتونته التي تحولت إلى رمز مقاومة في وجه الاحتلال والاستيطان.
اقرأ أيضًا : الصليب الأحمر يبحث عن جثامين الإسرائيليين ويتجاهل الفلسطينيين