عاد شبح التصعيد العسكري ليخيم من جديد على قطاع غزة، مع شنّ جيش الاحتلال الإسرائيلي، فجر الثلاثاء، غارات جوية وقصفًا مدفعيًا مكثفًا استهدف مناطق عدة شرقي القطاع، رغم أنها تقع ضمن المناطق التي يفترض أن يشملها اتفاق وقف إطلاق النار. وأفاد مراسل الجزيرة بأن دبابات الاحتلال نفذت عمليات قصف وإطلاق نار كثيف في حي التفاح شرقي مدينة غزة، بالتوازي مع غارات جوية عنيفة، في مشهد أعاد إلى الأذهان أيام الإبادة المفتوحة التي شهدها القطاع على مدار أكثر من عامين.

ولم تقتصر الهجمات على مدينة غزة، إذ طالت أيضًا المناطق الشرقية لمدينتي رفح وخان يونس، إلى جانب شمال شرق مخيم البريج وسط القطاع، حيث أكد شهود عيان لوكالة الأناضول أن الآليات العسكرية الإسرائيلية قصفت المنطقة بشكل عشوائي، وأطلقت نيرانها بكثافة، ما تسبب بحالة من الذعر بين السكان، في ظل غياب أي مظاهر للحماية أو الإغاثة.

خروقات ممنهجة لاتفاق وقف إطلاق النار
هذه الهجمات لا يمكن فصلها عن سياق أوسع من الخروقات الإسرائيلية المتكررة لاتفاق وقف إطلاق النار، الذي دخل حيّز التنفيذ منذ أشهر. فمنذ سريان الاتفاق، ارتكبت إسرائيل مئات الانتهاكات، شملت القصف المدفعي، والغارات الجوية، وإطلاق النار، وعمليات النسف، ما أسفر – بحسب معطيات فلسطينية – عن استشهاد 391 فلسطينيًا، وإصابة أكثر من 1063 آخرين منذ 11 تشرين الأول/أكتوبر الماضي.

ويؤكد مراقبون أن هذه الخروقات ليست “أخطاء ميدانية” كما يروج الاحتلال، بل سياسة ممنهجة تهدف إلى إبقاء غزة تحت الضغط العسكري، ومنع أي استقرار حقيقي، وإرسال رسالة مفادها أن وقف إطلاق النار لا يعني نهاية العدوان، بل مجرد إعادة تنظيم لوتيرة القتل.

إبادة جماعية لم تُغلق ملفاتها بعد
وكان اتفاق وقف إطلاق النار قد أنهى رسميًا حرب الإبادة الجماعية التي شنتها إسرائيل في 8 تشرين الأول/أكتوبر 2023، واستمرت لأكثر من عامين، مخلفة أكثر من 70 ألف شهيد، وما يزيد على 171 ألف جريح، فضلًا عن دمار هائل طال البنية التحتية والمنازل والمرافق الحيوية. وقدّرت الأمم المتحدة كلفة إعادة إعمار القطاع بنحو 70 مليار دولار، في رقم يعكس حجم الكارثة الإنسانية غير المسبوقة.

غير أن استمرار القصف بعد الاتفاق يطرح تساؤلات جدية حول جدوى أي ترتيبات سياسية أو أمنية لا تتضمن آليات ردع حقيقية للاحتلال، ولا تفرض عليه التزامًا فعليًا بوقف جرائمه بحق المدنيين.

ترامب وقوة “الاستقرار”: غطاء سياسي أم إدارة للاحتلال؟
في موازاة التصعيد الميداني، أثارت تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب جدلًا واسعًا، بعدما أعلن أن 59 دولة أعربت عن استعدادها للمشاركة في “قوة تحقيق الاستقرار” في غزة. وقال ترامب، في كلمة من المكتب البيضاوي، إن هذه القوة “تعمل فعليًا في غزة”، وإنه سيتم إضافة مزيد من الدول إليها.

ويرى محللون أن هذه التصريحات تعكس محاولة أميركية لإعادة تدوير الأزمة، عبر طرح حلول أمنية فضفاضة، تتجاهل جوهر الصراع المتمثل في الاحتلال ذاته. فبدلًا من محاسبة إسرائيل على جرائمها، يجري الحديث عن “قوة استقرار” قد تتحول عمليًا إلى أداة لإدارة القطاع أمنيًا، دون إنهاء الاحتلال أو رفع الحصار.

تواطؤ أميركي وتبرير للقتل
ولم يتوقف ترامب عند هذا الحد، إذ قال إن واشنطن “ستنظر” فيما إذا كان قتل إسرائيل القيادي في كتائب القسام رائد سعد يشكل خرقًا لوقف إطلاق النار، في تصريح يعكس ازدواجية المعايير الأميركية، التي تساوي بين الضحية والجلاد. كما أشار إلى أن “حماس قالت إنها ستنزع سلاحها”، مضيفًا: “سنرى ما إذا كان ذلك صحيحًا أم لا”، في خطاب يتبنى عمليًا الرواية الإسرائيلية، ويتجاهل حق الشعب الفلسطيني في مقاومة الاحتلال.

ويرى مراقبون أن هذه التصريحات تمنح إسرائيل غطاءً سياسيًا للاستمرار في خروقاتها، بل وتشجعها على اختبار حدود الاتفاق، طالما أن الحليف الأميركي لا يرى في القصف والقتل الجماعي جريمة تستوجب المحاسبة.

غزة بين القصف والوهم السياسي
في ظل هذا المشهد، تبدو غزة عالقة بين قصف متواصل ووهم سياسي اسمه “الاستقرار”، بينما يستمر الاحتلال في ممارسة إجرامه بحق المدنيين، دون رادع حقيقي. ومع كل غارة جديدة، يتأكد الفلسطينيون أن المعركة لم تنتهِ بتوقيع اتفاق، وأن العدالة ما زالت غائبة، في عالم يكتفي بالتصريحات، ويغض الطرف عن دماء الأبرياء.

اقرأ أيضًا : الإمارات في الواجهة.. ميليشيا الدعم السريع تقصف كردفان وأقمار صناعية توثق استهداف مستشفى