شيّع آلاف الفلسطينيين في قطاع غزة جثامين ورفات 112 شهيدًا من عائلتي أبو شريعة والحساينة، بعدما ظلت عالقة تحت أنقاض منازلهم لأكثر من عامين ونصف، في جنازة جماعية وُصفت بأنها من بين الأكبر في تاريخ القطاع والقضية الفلسطينية.

وامتلأت ساحة التشييع بالنعوش البيضاء وصور الضحايا، في مشهد أعاد إلى الواجهة واحدة من أكثر مجازر حرب الإبادة دموية، بعدما انتظرت العائلات منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2023 حتى تتمكن من انتشال أبنائها ودفنهم.

مجزرة حصدت أكثر من 300 فلسطيني

تعود الجثامين إلى مجزرة ارتكبها جيش الاحتلال الإسرائيلي في حي الصبرة جنوبي مدينة غزة يوم 22 نوفمبر/تشرين الثاني 2023، وأسفرت، وفق مصادر فلسطينية، عن استشهاد 308 فلسطينيين من العائلتين.

وكان من بين الضحايا عشرات الأطفال والنساء وأشخاص من ذوي الإعاقة، فيما تحولت المباني المستهدفة إلى كتل ضخمة من الركام دفنت تحتها عائلات كاملة.

وبعد عمليات بحث استمرت أسبوعين، تمكنت فرق الدفاع المدني من انتشال 112 جثمانًا ورفاتًا، بينما لا يزال نحو 157 شخصًا في عداد المفقودين تحت الأنقاض أو مجهولي المصير.

عائلات تنبش الركام بأيديها

لم تكن عملية الانتشال ممكنة بفضل معدات متطورة أو آليات ثقيلة، إذ اضطر رجال الإنقاذ وأفراد العائلات إلى إزالة الركام والبحث بين الحجارة بأيديهم وأدوات بدائية، في ظل النقص الحاد في الجرافات وأجهزة الكشف والمعدات المتخصصة.

وقال ناشطون إن الجنازة حوّلت الأرقام التي ترد يوميًا في بيانات الضحايا إلى نعوش وأكفان وأسماء، وكشفت حجم المأساة التي عاشتها العائلات وهي تنتظر أكثر من عامين لمعرفة مصير أبنائها.

جنازة لعائلتين كاملتين

وصف المتحدث باسم الدفاع المدني في غزة محمود بصل مراسم التشييع بأنها مشهد استثنائي ومؤلم، معتبرًا أنها واحدة من أكبر الجنازات التي شهدها القطاع خلال العقود الأخيرة.

كما قال ناشطون إن غزة لا تشيّع 112 شهيدًا فقط، بل ما تبقى من عائلتين استُهدفتا في غارة واحدة، بينما لا تزال جثامين عشرات الضحايا الآخرين تحت الركام أو تلاشت بفعل شدة الانفجارات.

ورُفعت خلال التشييع صور عدد كبير من الشهداء ولافتات تطالب بوقف الإبادة، في حين اصطف المشيعون أمام عشرات الجثامين التي جُمعت في موكب وداع واحد.

آلاف المفقودين بلا قبور

لا تمثل مأساة الصبرة حالة منفردة في غزة، إذ لا تزال آلاف العائلات تبحث عن مفقوديها تحت أنقاض المنازل والأحياء التي دمرها الاحتلال.

وتواجه طواقم الدفاع المدني صعوبات هائلة في الوصول إلى الضحايا، نتيجة الدمار الواسع ونقص الوقود والمعدات، ما يجعل كثيرًا من الجثامين مدفونة لسنوات من دون أن تتمكن أسرها من دفنها أو حتى معرفة مصيرها.

ودعا تجمع العشائر والعائلات الفلسطينية الجهات الدولية إلى التحرك لرفع الركام، وإدخال المعدات اللازمة لانتشال الجثامين، ووقف الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة على القطاع.

الحرب مستمرة حتى بعد توقف القصف

تكشف الجنازة أن آثار حرب الإبادة لا تنتهي بانخفاض وتيرة الغارات أو إعلان وقف إطلاق النار؛ فالضحايا ما زالوا يخرجون من تحت الركام، والعائلات لا تزال تودع أبناءها الذين استشهدوا قبل سنوات.

كما تأتي مراسم التشييع في ظل استمرار الخروقات الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار، والتي أسفرت، وفق الأرقام الواردة في التقرير، عن استشهاد وإصابة آلاف الفلسطينيين.

وفي أكبر موكب وداع شهدته غزة، لم تُدفن جثامين 112 شهيدًا فقط، بل دُفنت معها سنوات من الانتظار والأمل في العثور عليهم أحياء. ومع بقاء عشرات الضحايا تحت الركام، تظل مجزرة الصبرة مفتوحة؛ فالاحتلال قتل العائلات في لحظة، ثم ترك ذويها أكثر من عامين يبحثون عن أجسادهم بأيديهم.