في الأسبوع الرابع من الحرب الإسرائيلية–الأمريكية ضد إيران، كشفت صحيفة نيويورك تايمز عن تفاصيل مثيرة لكواليس الحرب، مسلطة الضوء على الدور المحوري لرئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، في دفع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي يشغل المنصب حاليًا، لدخول هذه المغامرة العسكرية. الرهان الذي اعتمد عليه نتنياهو كان يتمثل في إشعال تمرد داخلي إيراني سريع ينهار على إثره النظام ويؤدي إلى إنهاء الحرب بسرعة، إلا أن الواقع أثبت فشل هذه الحسابات.
الموساد والخطة السرية: إشعال ثورة لم تحدث
بحسب الصحيفة، قدم رئيس جهاز الموساد، ديفيد بارنياع، خطة لنتنياهو خلال اجتماعات مغلقة، تشير إلى إمكانية تحريك المعارضة الإيرانية بسرعة بعد بدء العمليات العسكرية لإشعال احتجاجات واسعة في الشوارع تؤدي إلى انهيار النظام. بارنياع أوضح أن اغتيال القادة الإيرانيين وتدخلات استخباراتية مكملة قد تدفع الشعب إلى الثورة، وهو ما اعتقد نتنياهو وترامب أنه قابل للتحقيق.
لكن مصادر أمريكية وإسرائيلية نقلت عن نيويورك تايمز أن هناك شكوكًا منذ البداية حول نجاح الخطة، حيث شكك مسؤولون كبار في البيت الأبيض وفي الأجهزة الاستخباراتية الإسرائيلية الأخرى في قدرة المعارضة على تنظيم تمرد شعبي سريع، رغم تفاؤل نتنياهو وترامب.
الإحباط المبكر: وعود لم تتحقق
بعد أيام من بدء الحرب، شعر نتنياهو بالإحباط نتيجة عدم تحقق وعود الموساد، إذ لم يشهد الشارع الإيراني أي احتجاجات واسعة، بل تمكن النظام الإيراني من الصمود وتعزيز دفاعاته. نتنياهو عبّر في اجتماع أمني عن قلقه من أن ينهي ترامب الحرب بشكل مفاجئ، مؤكداً أن العمليات الجوية وحدها لن تخلق الثورة المرجوة، وأن الدعم البري ضروري لتحقيق أي تغيير داخلي.
كما أشارت الصحيفة إلى أن ترامب دعا الإيرانيين في مطلع الحرب إلى البقاء في منازلهم لتجنب القصف، في مؤشر على أن البيت الأبيض لم يكن مستعدًا لمخاطرة إشعال تمرد داخلي واسع، ما صعّب تنفيذ خطة نتنياهو–بارنياع.
الواقع على الأرض: النظام الإيراني يتماسك
على الرغم من قدرة إسرائيل والولايات المتحدة على تنفيذ ضربات دقيقة وخلق حالة من الاضطراب، فقد نجحت الحكومة الإيرانية في حماية نفسها وتحريك ردود فعل فعالة، بما في ذلك استهداف معسكرات ومدن وسفن ومنشآت طاقة في الخليج. تقديرات الاستخبارات الإسرائيلية والأمريكية أشارت إلى أن النظام أصبح أضعف مما كان عليه، لكنه ما زال قائمًا، مع وجود خوف شعبي من القمع يقلل من فرص تمرد واسع.
حتى تدخل بعض الجماعات المسلحة، بما في ذلك كتائب كردية، لم يحصل على دعم أمريكي كافٍ، ما أدى إلى توتر في العلاقات الإسرائيلية–الأمريكية حول استراتيجية إشعال الثورة الداخلية.
المسؤولية والاتهامات: نتنياهو والموساد في دائرة الضوء
نقلت الصحيفة عن مصادرها أن نتنياهو يوجّه أصابع الاتهام إلى الموساد بسبب عدم تحقيق أهداف الخطة، لكنه من الممكن أن يكون هناك اتفاق ضمني لتجنب إثارة غضب ترامب، الذي يرى أنه تعرض للتضليل من قبل نتنياهو. في الوقت نفسه، أشارت تصريحات الجنرال عاموس غلعاد، الرئيس السابق للقسم الأمني السياسي في وزارة الأمن الإسرائيلية، إلى أن تجارب الماضي تثبت فشل محاولات إسقاط الأنظمة بالقوة العسكرية، مستشهدًا بالحرب الإسرائيلية على لبنان عام 1982، ومتجنبًا توقع خضوع إيران لأي إنذار أمريكي حول مضيق هرمز.
خاتمة: درس من الفشل وواقع القوة
توضح الأحداث كما رصدتها نيويورك تايمز أن الرهان الإسرائيلي على تمرد داخلي سريع في إيران لم ينجح، وأن الصمود الإيراني أعاد التأكيد على صعوبة استبدال الأنظمة بالقوة أو تحريك شعوبها من الخارج. فشل نتنياهو في تحقيق أهدافه يبرز مخاطر المبالغة في الاعتماد على العمليات الاستخباراتية والاغتيالات كوسيلة لتغيير الأنظمة، ويكشف عن فجوة كبيرة بين التوقعات والممارسة الواقعية في الحروب الحديثة.
القوة العسكرية وحدها لم تصنع الثورة، ونتنياهو اكتشف أن الثورات لا تُصنع بالوعود والتخطيط الاستخباراتي، بل تحتاج إلى ظروف شعبية حقيقية، وهو درس صارخ للقيادات الإسرائيلية حول حدود قدرة الموساد والدبلوماسية العسكرية في التغيير الداخلي للنظم المعادية.