في حادثة صادمة أثارت جدلًا واسعًا داخل أروقة القرار في واشنطن، كشفت مجلة “ذا أتلانتيك” عن تسريب معلومات عسكرية عملياتية بالغة الحساسية، تتعلق بخطط ضربات جوية أمريكية مرتقبة في اليمن، وذلك عبر تطبيق مراسلة مشفر.
المفارقة أن من تلقى هذه المعلومات كان رئيس تحرير المجلة ذاته، جيفري غولدبرغ، الذي صرّح لاحقًا أن الرسائل تضمنت تفاصيل دقيقة عن الأهداف، نوعية الأسلحة، وتسلسل الهجوم ضد جماعة الحوثي في اليمن.
ووفق المجلة، فإن الرسائل تم تبادلها بين كبار مسؤولي الأمن القومي في إدارة ترامب، بما في ذلك وزير الدفاع، عبر محادثة جماعية في تطبيق “سيغنال”، الذي يُستخدم عادة لأغراض الاتصال الآمن.
إلا أن الخطأ الكارثي تمثل في ضمّ صحافي بارز عن غير قصد إلى هذه المجموعة، ما أدى إلى تسريب فوري للخطط قبل تنفيذها بساعات فقط.
وبالفعل، وبعد ساعتين فقط من تسلم غولدبرغ للمعلومات، شرعت القوات الأمريكية في تنفيذ ضربات جوية ضد أهداف تابعة للحوثيين في اليمن، ما يجعل توقيت التسريب بالغ الخطورة من الناحية العملياتية

ترامب يتبرّأ.. والديمقراطيون يصعّدون
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي كان في واجهة العاصفة، حاول النأي بنفسه عن هذه الفضيحة، وصرّح للصحفيين: “لا أعلم شيئًا عن هذا الأمر، أنتم تخبرونني به لأول مرة”، مضيفًا بتقليل من شأن الحدث: “ذا أتلانتيك ليست مجلة تُذكر”.
لكن تصريح ترامب لم يُخفف من وقع الأزمة، خصوصًا مع تأكيد البيت الأبيض لاحقًا أن “الرئيس ما زال يثق بفريق الأمن القومي”، وعلى رأسه مستشار الأمن القومي.
الردود السياسية على هذه الحادثة جاءت سريعة وغاضبة، خاصة من جانب الديمقراطيين، زعيم الأغلبية الديمقراطية في مجلس الشيوخ، تشاك شومر، وصف التسريب بأنه “واحد من أخطر الخروقات الاستخباراتية منذ زمن بعيد”، وطالب بفتح تحقيق فوري وشامل.
أما السيناتور جاك ريد، وهو أحد أبرز أعضاء لجنة القوات المسلحة، فاعتبر ما جرى “إخفاقًا كارثيًا للأمن العملياتي والمنطق السليم”، مضيفًا أن “حياة الأمريكيين على المحك”، محملًا إدارة ترامب المسؤولية المباشرة عن هذا الإهمال.
تحقيقات داخلية وتشديد على التسريبات
ردًا على الضجة المتصاعدة، أعلن مجلس الأمن القومي الأمريكي عن فتح تحقيق في الحادثة، موجهًا الأنظار نحو كيفية إدراج رقم صحفي ضمن مجموعة “سرية للغاية” لمناقشة عمليات عسكرية حاسمة.
كما أعلن مكتب وزير الدفاع، بيت هيغزيث، عن حملة شاملة لمكافحة تسريب المعلومات الحساسة، تشمل احتمال استخدام أجهزة كشف الكذب لموظفي الدفاع لكشف مصدر الخلل.
هذه الإجراءات، رغم أهميتها، تبدو رد فعل متأخرًا أمام حجم الضرر الذي وقع بالفعل.
تسريب خطة عسكرية بهذه الدقة والتوقيت الحرج، ليس فقط يهدد حياة الجنود والمصالح الأمريكية، بل يضرب في صميم مصداقية البنية الأمنية والإدارية التي يفترض أن تكون محصّنة ضد مثل هذه الأخطاء.
المفارقة أن الحادثة تأتي في وقت لطالما تفاخر فيه ترامب وإدارته بصرامة موقفهم تجاه التسريبات، حيث جرى ملاحقة العديد من الموظفين والصحفيين قانونيًا بتهم تتعلق بالإفصاح عن معلومات أمنية.
لكن هذا التسريب تحديدًا يفضح هشاشة داخلية وخلل في فهم وتطبيق البروتوكولات الأمنية، حتى من جانب كبار المسؤولين أنفسهم.
فاختيار تطبيق مراسلة مشفر لا يعني أن جميع التدابير قد اتُّخذت، خصوصًا إذا أُضيف شخص غير مخول بالاطلاع على المعلومات إلى المحادثة عن طريق الخطأ، وهو ما يكشف غياب الرقابة المؤسسية والاحترافية في إدارة الأمن السيبراني داخل الأجهزة العليا.
فضيحة تتجاوز الأبعاد العسكرية
ما جرى في هذه القضية يتجاوز مجرد “حادث عرضي” أو “خطأ بشري”. نحن أمام أزمة تعكس فشلًا مؤسسيًا في حماية أسرار الدولة، وتثير تساؤلات خطيرة حول كفاءة إدارة ترامب السابقة في التعامل مع الملفات الأمنية والعسكرية.
فبين تسريبات لم تُحسم طبيعتها السرية، وتبريرات متناقضة من البيت الأبيض، وصمت حذر من البنتاغون، تقف الولايات المتحدة أمام اختبار حقيقي لمصداقية أجهزتها الأمنية.
ومع تصاعد الأصوات الداعية لمحاسبة المتورطين، يُتوقع أن تفتح هذه الفضيحة الباب أمام مزيد من التدقيق في كيفية إدارة المعلومات العسكرية داخل المؤسسات العليا، وربما تثير دعوات لتشديد الرقابة على استخدام وسائل الاتصال الرقمية حتى في أعلى مستويات الدولة.
اقرأ أيضًا : البحر الأحمر تحت النار: 75% من شحنات أمريكا تهرب من الحوثيين