في مقال رأي لافت في صحيفة نيويورك تايمز، حذر الكاتب والمعلق السياسي الأمريكي الشهير بيتر بينارت من تجاهل الحزب الديمقراطي للتغير العميق في مواقف قاعدته الشعبية تجاه إسرائيل، مشيراً إلى أن فوز زهران ممداني، السياسي الشاب المؤيد لحقوق الفلسطينيين، في الانتخابات التمهيدية لعمدة نيويورك ليس صدفة، بل مؤشر مبكر على “التمرد القادم” داخل الحزب الديمقراطي. 

وبينارت شدد على أن فوز ممداني يجب أن يُقرأ على أنه رسالة قوية من قواعد الحزب لقياداته: زمن الدعم الأعمى لإسرائيل قد ولى.

الدرس الذي لم يتعلمه الديمقراطيون بعد

يشير بينارت إلى أن الانتصار المفاجئ لممداني في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي يذكّر بواقعة مشابهة حدثت قبل أكثر من عقد، حينما أطاح أستاذ الاقتصاد المغمور ديف برات بزعيم الأغلبية الجمهورية إريك كانتور في انتخابات الكونغرس عام 2014، رغم أن فرصه كانت تبدو معدومة. 

وكما حدث مع برات، فإن ما فعله ممداني هو استثمار الفجوة المتزايدة بين نخبة الحزب الديمقراطي وقاعدته الشعبية، خصوصاً في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية.

لكن المفارقة الكبرى، بحسب بينارت، أن الديمقراطيين الذين طالما تفاخروا بأنهم “حزب التقدم والعدالة الاجتماعية” باتوا في حالة نكران تام للواقع الجديد، خصوصاً حين يتعلق الأمر بإسرائيل. فبينما تشهد أوساط الديمقراطيين، بمن فيهم من هم في عمر الخمسين وما فوق، تحولاً جذرياً في نظرتهم تجاه السياسات الإسرائيلية في فلسطين، تواصل قيادات الحزب الدفاع المستميت عن الاحتلال، وغض الطرف عن الانتهاكات، ورفض ربط المساعدات العسكرية بأي التزام حقيقي بحقوق الإنسان.

استطلاعات الرأي.. صفعة للتيار المؤيد لإسرائيل

الأرقام التي يعرضها بينارت صادمة بالنسبة للديمقراطيين التقليديين. فوفقاً لاستطلاع غالوب، فإن نسبة الديمقراطيين الذين يتعاطفون مع الفلسطينيين أكثر من إسرائيل ارتفعت إلى 38% في 2024، مقارنة بـ36% تعاطفاً مع إسرائيل قبل 10 سنوات. 

كما أظهر استطلاع آخر أن 46% من الديمقراطيين يؤيدون تقليص المساعدات العسكرية لإسرائيل، مقابل 6% فقط يطالبون بزيادتها.

حتى كبار السن في الحزب لم يعودوا على نفس النهج السابق. مركز بيو للأبحاث كشف أن نسبة الديمقراطيين فوق سن الخمسين الذين لديهم وجهة نظر سلبية تجاه إسرائيل ارتفعت بـ23% بين عامي 2022 و2025.

وبذلك تتقلص الفجوة الجيلية حول هذه القضية، ويتشكل إجماع حزبي شعبي غير مسبوق ضد السياسات الإسرائيلية، وهو ما لا تعكسه سياسات الحزب الرسمية حتى الآن.

ممداني.. الصوت الذي لم يساوم على القيم

في قلب هذا المشهد المتغير، يأتي ممداني كرمز لهذا الجيل الجديد من السياسيين التقدميين الذين لا يرون تناقضاً بين الدفاع عن الحقوق الفلسطينية، والنضال من أجل العدالة الاجتماعية في الداخل الأمريكي. 

شعاراته الانتخابية لم تقتصر على خدمات التعليم والإسكان، بل ركزت أيضاً على أن “كل إنسان يستحق حياة كريمة” سواء كان في نيويورك أو في غزة، بحسب تصريحه لمجلة بوليتيكو.

هذا الخطاب المتماسك أخلاقياً جذب قطاعات واسعة من الناخبين الشباب، الذين سئموا من تناقضات قادة الحزب.

وحتى محاولات المرشح الأوفر حظاً أندرو كومو لتشويه صورة ممداني عبر مهاجمته بسبب مواقفه من إسرائيل باءت بالفشل، بل كانت دليلاً إضافياً على عجز النخبة الديمقراطية عن فهم تحولات قواعدها الشعبية.

ترامب يهاجم ممداني.. لماذا؟

لم يمر فوز ممداني مرور الكرام لدى خصوم الديمقراطيين. إذ سارع الرئيس السابق دونالد ترامب إلى مهاجمته ووصفه بـ”الخطر على أمريكا”، وهو موقف يعكس إدراك الجمهوريين لخطورة صعود أصوات مثل ممداني التي تُحدث صدعاً داخل الحزب المنافس وتضعه في مأزق حقيقي.

لكن بينارت يرى أن هذه الهجمات، وإن كانت متوقعة من ترامب، فإنها تعكس أيضاً مقدار ما بات يمثله ممداني من تهديد للتيار التقليدي في واشنطن: صوت تقدمي لا يساوم، يحظى بدعم شعبي متصاعد، ويكسر المحرمات التاريخية في الخطاب السياسي الأمريكي.

ما بعد ممداني.. نذر التمرد الأكبر

يتوقع بينارت أن تتكرر تجربة ممداني في الانتخابات المقبلة على نطاق أوسع، وربما في السباق الرئاسي نفسه. فالمرشحون الرئاسيون الذين يملكون القدرة على حشد المتبرعين الصغار عبر الإنترنت كما فعل باراك أوباما عام 2008 وبيرني ساندرز عام 2016، يستطيعون انتزاع ترشيح الحزب دون الحاجة للولاءات التقليدية للوبيات إسرائيلية مثل إيباك، التي أنفقت ملايين الدولارات لهزيمة الأصوات المؤيدة لفلسطين داخل الحزب.

ومع استمرار القادة الديمقراطيين في إنكار هذا التحول، وتحالفهم الضمني مع اليمين الإسرائيلي، يزداد خطر تمرد شعبي داخل الحزب، يقوده مرشح رئاسي يجعل من دعم الفلسطينيين معياراً للمصداقية الأخلاقية، لا مجرد نقطة خلافية في السياسة الخارجية.

خاتمة: إلى أين يمضي الحزب الديمقراطي؟

يخلص بينارت إلى تحذير واضح: تجاهل التغير في الرأي العام تجاه إسرائيل قد يكلف الحزب الديمقراطي مستقبله. 

فكما تجاهل الجمهوريون الغضب الشعبي من الهجرة قبل صعود ترامب، قد يدفع الديمقراطيون ثمن تجاهل غضب قواعدهم من الانحياز الأعمى لإسرائيل. وفوز ممداني ليس مجرد انتصار فردي، بل نبوءة سياسية تقول إن عهد الصمت قد انتهى، وإن من لا يسمع لصوت الجماهير سيتجاوزه التاريخ سريعًا.

اقرأ أيضًا : بتمويل إماراتي.. هيئة سودانية تكشف دفن 3800 جثة في الخرطوم منذ اندلاع الحرب