دخلت الحرب الدائرة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، مرحلة أكثر خطورة مع انتقال تداعياتها المباشرة إلى العمق الخليجي، حيث أعلنت السلطات الإماراتية مقتل شخصين وإصابة ثلاثة آخرين نتيجة سقوط شظايا صاروخية في منطقة سويحان بأبوظبي، عقب اعتراض الدفاعات الجوية لصاروخ باليستي. الحادثة تمثل تطورًا نوعيًا في مسار التصعيد، إذ لم تعد دول الخليج مجرد ساحات خلفية أو داعمة، بل أصبحت ضمن نطاق النيران المباشرة، سواء بشكل مقصود أو نتيجة تداعيات العمليات العسكرية المتبادلة.

الهجمات الإيرانية، التي تقول طهران إنها تستهدف “مصالح ومواقع أمريكية”، امتدت لتشمل عدة دول خليجية في وقت متزامن، ما يعكس توسيعًا في بنك الأهداف ورسالة واضحة بأن الحرب لن تبقى محصورة جغرافيًا. وفي المقابل، سارعت دول الخليج إلى تفعيل أنظمة الدفاع الجوي بكثافة غير مسبوقة، في محاولة لاحتواء التهديدات المتزايدة وحماية منشآتها الحيوية.

دفاعات جوية تحت ضغط غير مسبوق في عدة جبهات
منذ فجر الخميس، أعلنت السعودية والبحرين والإمارات والكويت تعرضها لهجمات متزامنة بصواريخ باليستية وطائرات مسيّرة. وأكدت وزارة الدفاع السعودية اعتراض وتدمير 33 طائرة مسيّرة في المنطقة الشرقية، في واحدة من أكبر عمليات التصدي الجوي خلال الفترة الأخيرة، ما يشير إلى حجم الهجوم وتعقيده.

في البحرين، اندلع حريق في إحدى المنشآت بمحافظة المحرق نتيجة ما وصفته السلطات بـ”العدوان الإيراني”، فيما تم تفعيل صفارات الإنذار مرتين، في مؤشر على جدية التهديد. أما في الكويت، فقد أعلنت وزارة الدفاع إسقاط عدة طائرات مسيّرة، مؤكدة أن أصوات الانفجارات التي سُمعت كانت نتيجة عمليات اعتراض ناجحة، بينما أشار الحرس الوطني إلى إسقاط طائرتين إضافيتين في مواقع حساسة.

الإمارات بدورها أكدت أن دفاعاتها الجوية تعاملت مع موجات متكررة من الصواريخ والطائرات المسيّرة، موضحة أن الأصوات التي سُمعت في مناطق متفرقة كانت نتيجة عمليات اعتراض ناجحة. غير أن سقوط الشظايا وما خلفه من قتلى وجرحى يكشف أن هذه المنظومات، رغم فعاليتها، لا تستطيع منع كل الأضرار، خاصة في ظل كثافة الهجمات وتعدد مساراتها.

الإمارات بين كلفة الحرب وخيارات السياسة الإقليمية
الحادثة في أبوظبي أعادت فتح النقاش حول موقع الإمارات في هذه الحرب، وحدود قدرتها على البقاء خارج دائرة الاستهداف المباشر. فالإمارات، التي سعت خلال السنوات الماضية إلى تقديم نفسها كقوة إقليمية ذات نفوذ اقتصادي وعسكري، تجد اليوم نفسها أمام اختبار حقيقي لسياساتها، خاصة في ظل علاقاتها المتشابكة مع الولايات المتحدة وإسرائيل.

ويرى مراقبون أن أبوظبي تدفع ثمن خياراتها السياسية، وعلى رأسها اتفاقيات التطبيع مع إسرائيل، التي وضعتها – بشكل أو بآخر – في محور واحد مع القوى المستهدفة من قبل إيران. فطهران، التي توسّع دائرة ردها العسكري، لا تميز كثيرًا بين الأهداف المباشرة وغير المباشرة، ما يجعل أي دولة ترتبط بتحالفات عسكرية أو أمنية مع واشنطن أو تل أبيب عرضة للاستهداف.

هذا الواقع يضع الإمارات أمام معادلة معقدة: الاستمرار في تحالفاتها الحالية بما تحمله من مخاطر أمنية متزايدة، أو إعادة تموضع استراتيجي قد يقلل من احتمالات استهدافها، لكنه قد يكلّفها نفوذًا سياسيًا واقتصاديًا بنته على مدار سنوات.

حرب مفتوحة واحتمالات الانفجار الإقليمي الشامل
تأتي هذه التطورات في سياق حرب دخلت يومها السابع والعشرين، منذ اندلاع المواجهة المباشرة بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة، وإيران من جهة أخرى في 28 فبراير الماضي. ومع سقوط مئات القتلى، بينهم قيادات بارزة، تتجه المنطقة نحو مزيد من التصعيد، وسط غياب أي مؤشرات على تهدئة قريبة.

اللافت في المرحلة الحالية هو انتقال الحرب من نمط الضربات المحدودة إلى نمط الاستنزاف الإقليمي، حيث يتم استهداف مساحات جغرافية أوسع، واستخدام أدوات متعددة تشمل الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، ما يزيد من صعوبة احتواء التصعيد.

وفي ظل هذا المشهد، تبدو دول الخليج أمام تحدٍ غير مسبوق، إذ لم تعد قادرة على الاكتفاء بدور المراقب أو الداعم غير المباشر. فمع كل هجوم جديد، تتآكل فرضية “التحصين الجغرافي”، وتتعزز قناعة بأن استمرار الحرب سيجر المنطقة بأكملها إلى مواجهة مفتوحة، قد تكون كلفتها أكبر بكثير من قدرة أي طرف على تحملها.

في المحصلة، تشكل حادثة مقتل شخصين في الإمارات مؤشرًا واضحًا على أن الحرب تجاوزت خطوطها التقليدية، وأن دول الخليج، بما فيها الإمارات، أصبحت جزءًا من معادلة الصراع، تدفع ثمن توازنات إقليمية معقدة، وخيارات سياسية لم تعد نتائجها قابلة للاحتواء بسهولة.

اقرأ أيضا : تصاعد خطاب الكراهية ضد المسلمين في الكونغرس الأمريكي وسط توترات الحرب مع إيران